هل كان "بيجاسوس" عراب التطبيع بين المغرب و"إسرائيل"؟!

الساعة 10:32 ص|23 يوليو 2026

فلسطين اليوم | ثابت العمور

كشف تحقيق استقصائي دولي نشرته صحيفة "الغارديان"، في 16 تموز/يوليو 2026، استخدام المغرب برنامج التجسس الإسرائيلي "بيغاسوس"، وأنظمة مراقبة إسرائيلية أخرى، للتجسس على مسؤولين كبار في فرنسا وإسبانيا، إضافة إلى استهداف صحافيين ونشطاء حقوقيين داخل المغرب.

وقد نسّقت منظمة "قصص ممنوعة" الباريسية، المعنية بدعم الصحافيين المهددين، التحقيق بالتعاون مع الصحافي المغربي هشام المنصوري، ومختبر التكنولوجيا التابع لمنظمة العفو الدولية، وفريق من الصحافيين من 14 وسيلة إعلامية، من بينها صحيفة "هآرتس" العبرية. واستند التحقيق إلى شهادة ضابط سابق في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني المغربية.

وكشف التحقيق أن ممثلين عن شركة "FSSYS"، المرتبطة بالإمارات، قدموا عام 2017 عرضاً تقنياً لضباط استخبارات مغاربة داخل فيلا في الرباط، استعرضوا خلاله قدرات البرنامج على اختراق الهواتف، وتشغيل الكاميرات والميكروفونات، والوصول إلى البيانات عن بُعد.

ويوضح التحقيق أن الاسم الرمزي الداخلي الذي أُطلق على المغرب داخل الشركة الإسرائيلية كان "مورغان". ويكشف التحقيق عن ثلاث شركات تجسس إسرائيلية أخرى، على الأقل، قامت بتسليح جهاز المخابرات الملكي، وذلك قبل سنوات من التطبيع بين "إسرائيل" والمغرب. والسؤال: هل كان برنامج "بيغاسوس" عرّاب التطبيع بين المغرب و"إسرائيل"؟ وهل كان التطبيع بين المغرب و"إسرائيل" ثمرة التعاون الأمني ونتيجة التنسيق الاستخباراتي بين الطرفين؟

ومع استمرار توسع نفوذ شركات الأمن السيبراني الإسرائيلية في المنطقة، هل كانت هذه الأدوات مجرد تعاون تقني، أم إنها جزء من مسار أوسع لإعادة تشكيل العلاقة من خلال توظيف التجسس، ولا سيما أن "إسرائيل" تعتمد، منذ سنوات، ما يُعرف بـ"دبلوماسية السايبر"، حيث تُستخدم التكنولوجيا الأمنية المتقدمة طُعماً لجذب الدول وبناء العلاقات والشراكات الأمنية؟

"بيغاسوس" عرّاباً للتطبيع؟

التحقيق الدولي المشار إليه لم يكشف فقط عن استخدام برنامج إسرائيلي في عمليات تجسس قام بها المغرب، فهذا سلوك تقوم به دول كثيرة في العالم، لكنه يجيب عن سؤال: لماذا قفز التطبيع بين المغرب و"إسرائيل" إلى مستويات غير مسبوقة، وصلت إلى حد تصنيع الطائرات المسيّرة؟

وهو ما يعني أنه قبل التطبيع المعلن كانت هناك علاقات أمنية، وتعاون وتنسيق استخباراتي وثيق بين "تل أبيب" والرباط، وأن عرّاب هذا التطبيع كان برنامج "بيغاسوس". يُظهر التحقيق أن المغرب استخدم أيضاً أدوات من شركة "سيلبرايت" الإسرائيلية، تمكّنه من اختراق الهواتف المصادرة من العميل واستخراج المعلومات المخزنة عليها.

وإلى جانب برنامج "بيغاسوس"، شغّل المغرب برنامج تجسس ثانياً، حصل عليه من شركة "سيركلز"، التي تُعد أول شركة استخبارات إلكترونية إسرائيلية. وأسسها تال ديليان، المدير السابق لوحدة التكنولوجيا في جهاز المخابرات الإسرائيلي، ويسمح هذا البرنامج بالتحقق من موقع جهاز معين في أي مكان في العالم، من خلال استغلال ثغرات في بروتوكولات الاتصالات الدولية.

يُذكر أنه منذ تطبيع العلاقات مع "إسرائيل"، في كانون الأول/ديسمبر 2020، قفزت الرباط بسرعة صاروخية نحو التعاون العسكري مع "تل أبيب"، ولا سيما في مجالات الدفاع الجوي، والطائرات من دون طيار، وأنظمة الاستخبارات وتقنيات المراقبة.

واستحوذت الرباط على منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية "باراك إم إكس"، واشترت أقماراً اصطناعية للمراقبة، وطلبت أنظمة مدفعية ذاتية الدفع من طراز "أتموس 2000" من شركة "إلبيت سيستمز"، في صفقة تُقدّر قيمتها بنحو 200 مليون يورو.

التعاون الأمني سبق الإعلان السياسي

في وقائع وحيثيات العلاقة المتطورة بين التطبيع، بوصفه نتيجة، والتجسس، بوصفه سبباً، بين المغرب و"إسرائيل"، تُلتقط تفاصيل مهمة لم يأتِ التحقيق الدولي على ذكرها. ومفادها أن التعاون الأمني بين الرباط و"تل أبيب" كان أسبق من التطبيع وأقدم منه، بل كان دافعاً له وداعماً.

فبعد عام فقط على التطبيع، ذهبت كل من الرباط و"تل أبيب"، في 8 كانون الأول/ديسمبر 2021، إلى توقيع مذكرة تفاهم أمنية مشتركة، وقّعها وزير الحرب الإسرائيلي بيني غانتس مع نظيره المغربي في الرباط. وأسست هذه الاتفاقية لعلاقة علنية تقوم على تبادل المعلومات الاستخباراتية والتدريبات المشتركة.

وبهذه الاتفاقية، سبقت المغرب كل عواصم التطبيع، بل أقحمت الجوانب الأمنية والعسكرية الحساسة في التطبيع، الذي يُفترض أن يكون مجرد علاقات سياسية ودبلوماسية، فتحول إلى تعاون أمني وتنسيق استخباراتي. ولاحقاً، تطورت العلاقة بين المغرب و"إسرائيل"، وباتت هناك لجان عسكرية مشتركة، وتمددت حتى أصبحت خططاً عسكرية.

وفي 23 كانون الثاني/يناير 2026، وقّعت "إسرائيل" والمغرب، من خلال اللجنة العسكرية المشتركة التي أصبحت المنصة المركزية لتنسيق العلاقات الأمنية الثنائية، خطة عمل عسكرية مشتركة لعام 2026.

التحقيق الدولي لم يكشف فقط أن المغرب استخدم برنامج "بيغاسوس" الإسرائيلي للتجسس داخل المغرب وخارجه، رغم نفي الرباط، لكنه يكشف عمق التعاون الأمني والتنسيق الاستخباراتي بين الرباط و"تل أبيب"، ويؤكد أن التعاون الاستخباراتي لم يكن وليد لحظة التطبيع، بل كان المحرك الأساسي له.

كما أن العلاقات السياسية والمصالح الاقتصادية لم تكن هي المحرك الأساسي، بل التكنولوجيا الأمنية والاختراق الاستخباراتي. وهو ما يعني أن إعلان التطبيع بصورة رسمية بين الرباط و"تل أبيب" أزاح الستار عن مسرح أمني واستخباراتي شُيّد ببطء ودقة على مدار سنوات سبقت الإعلان عن التطبيع، وكان برنامج "بيغاسوس" قمة جبل الجليد.

وبالتالي، لم يكن برنامج "بيغاسوس" مجرد أداة برمجية بيعت لعميل أجنبي، بل كان عملية استدراج استراتيجية ترتبت عليها آثار وتداعيات كبيرة وخطيرة، أهمها أنها سمحت لـ"إسرائيل" باختراق شمالي أفريقيا. وفتحت الباب أمام التكنولوجيا الأخطبوطية الإسرائيلية لتتغلغل في المنطقة الأفريقية والعربية، وهو ما يجعل البيانات الحساسة لتلك الدول تحت مجهر أجهزة الاختراق الصهيونية.

من التجسس إلى التشويش والابتزاز

يكشف التحقيق الدولي المشار إليه جزءاً من مشاهد الطريق إلى التطبيع، لكنه يسكت عن أجزاء أخرى مهمة لا تتعلق بالتطبيع القائم على الاختراق، بل بالعلاقات القائمة على التشويش والابتزاز. ذلك أن المسكوت عنه في توقيت كشف التحقيق ونشره هو أنه، كما كان "بيغاسوس" أصلاً من أصول التطبيع، فإن التحقيق قد يكون مكوّناً من مكونات التشويش والابتزاز.

فقد جاء توقيت نشره بالتزامن مع تقارب مغربي - فرنسي غير مسبوق استطاع أن يرمم التآكل الذي شهدته العلاقة سابقاً، وكان أحد أسبابه توجيه الاتهامات إلى المغرب بالتجسس على فرنسيين، بينهم أحد أرقام الرئيس إيمانويل ماكرون.

ويُلاحظ أن عودة إثارة برنامج التجسس "بيغاسوس" إلى الواجهة، بواسطة تحقيق دولي، تزامنت مع زيارة رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو للمغرب، في 16 تموز/يوليو 2026.

وقد تُوجت الزيارة بتوقيع اتفاقات ومذكرات تفاهم شملت مجالات حيوية، بينها الطاقة والمال والطيران والتعليم والثقافة والدبلوماسية، بالتزامن مع تحضير البلدين لمعاهدة ثنائية جديدة. ويُذكر أن حجم التبادل التجاري بين المغرب وفرنسا وصل إلى رقم قياسي يناهز 15 مليار يورو.

إن تزامن نشر التحقيق مع التقارب بين فرنسا والمغرب لا يعني نفي تهمة تورط المغرب في استخدام "بيغاسوس"، ولا ينفي أن التجسس كان مدخلاً إلى التطبيع، لكنه قد يعني توظيف القضية من جانب أطراف أخرى للتشويش على التقارب الحاصل بين فرنسا والمغرب.

ولا يُستبعد أن تكون "تل أبيب" وواشنطن وراء ذلك، لأن واقع علاقات دولية قائم على الاختراق والتجسس لا يُستبعد أن يستخدم الابتزاز والتشويش لتعطيل علاقات موازية.

ما وراء العلاقات المعلنة

ختاماً، إن ما كشفه التحقيق الدولي بشأن استخدام المغرب برنامج التجسس الإسرائيلي "بيغاسوس" يعني أن التطبيع نتيجة لعلاقات أمنية واستخباراتية مسكوت عنها، وأن الغلبة باتت لهذا الجانب على حساب المصالح السياسية والاقتصادية.

وفوق ذلك، فإن غياب التطبيع في العلاقة بين بعض الدول العربية لا يعني انتفاء علاقات عسكرية، وتعاون أمني واستخباراتي، بين هذه الدول و"إسرائيل"، لكنها تنتظر التوقيت المناسب لتعلن عن ذلك من خلف ستار التطبيع.