هل بدأت المظلة الأميركية فوق "إسرائيل" تفقد صلابتها؟

الساعة 12:14 م|20 يوليو 2026

فلسطين اليوم | شرحبيل الغريب

شرحبيل الغريب

نشرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية خبراً شكّل مفاجأة صادمة لـ"إسرائيل" وداعميها، تمثّل في تصويت 103 أعضاء من الحزب الديمقراطي في مجلس النواب الأميركي لمصلحة تعديل يهدف إلى وقف المساعدات العسكرية الأميركية لـ"إسرائيل". ورغم فشل التعديل، فإنّ هذا التصويت يُعدّ لحظة تاريخية تُظهر مدى تراجع مكانة "إسرائيل" داخل الحزب الديمقراطي، المعروف تاريخياً بأنه كان الحزب الأكثر انحيازاً إليها، قبل أن يسبقه الجمهوريون في السنوات الأخيرة.

تقدّم لنا سنن التاريخ درساً مهماً في هذا السياق، مفاده أنّ التحوّلات الكبرى تبدأ، للوهلة الأولى، بإشارات صغيرة محدودة الأثر، لكنها تكشف عن تغيّرات عميقة في البنية الفكرية والسياسية لأيّ دولة قد تتعرّض لذلك.

ومن هذا المنظور، فإنّ تصويت أكثر من مئة نائب ديمقراطي في مجلس النواب الأميركي لمصلحة تعديل قانون يهدف إلى وقف المساعدات العسكرية لـ"إسرائيل"، رغم عدم إقراره، لا ينبغي المرور عليه بوصفه حدثاً عابراً، بل باعتباره مؤشراً استراتيجياً على تحوّل متدرّج في البيئة السياسية الأميركية التي شكّلت، لعقود، الركيزة الأساسية للقوة الإسرائيلية.

في القراءة السياسية لهذا الحدث، فإنّ هذا التحوّل في المزاج السياسي الأميركي، على مستوى مجلس النواب، وقبله على المستوى الشعبي، أصبح كابوساً لـ"إسرائيل"، في وقت اعتادت فيه أن تنظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها الضامن النهائي لأمنها والداعم الأكثر ثباتاً، حتى أصبح هذا الدعم جزءاً من الثوابت التي لا تخضع للنقاش داخل المؤسسة الأميركية.

لكن ما تشهده الساحة الأميركية اليوم يوحي بأنّ هذه المسلّمة التاريخية لم تعد محصّنة كما كانت، وأنّ صورة "إسرائيل" بعد الحرب على قطاع غزة لم تعد كما كانت قبلها، بل إنها باتت تواجه تحدّياً من نوع مختلف، لا يتمثّل في تراجع الدعم المباشر بقدر ما يتمثّل في التصدّع والتآكل البطيء للشرعيّة السياسية والأخلاقية التي كانت تحيط بذلك الدعم.

تاريخياً، ولسنوات طويلة، كان الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة يُعدّ الحاضنة السياسية الأكثر وفاءً وحمايةً لـ"إسرائيل"، قبل أن يتعزّز الانحياز داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً منذ صعود التيار المحافظ في عهد الرئيس جورج بوش الابن، ثم يبلغ ذروته خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب.

ونتيجة لذلك، تمتّعت "إسرائيل" بإجماع حزبي أميركي نادر، جعل دعمها يبدو وكأنه خارج إطار الخلافات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة. غير أنّ هذا الإجماع بدأ يتعرّض لتصدّعات واهتزازات متزايدة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وتحديداً بين الشخصيات الجديدة داخل الحزب الديمقراطي، وهي شخصيات يُلاحظ أنّ لديها وعياً سياسياً جديداً، أقل ارتباطاً بالرواية التقليدية للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وأكثر تأثّراً بخطابات القانون الدولي والعدالة وحقوق الإنسان.

والأهمّ في هذا السياق أنّ هذه الشخصيات لم تعد تنظر إلى القضية الفلسطينية من الزاوية التي نظرت إليها الإدارات الأميركية السابقة، بل باتت تربطها بمنظومة القيم التي تدافع عنها داخل الولايات المتحدة نفسها.

شكّلت الحرب على غزة نقطة تحوّل فارقة في هذا المسار، فلم تقتصر آثارها على الميدان العسكري فحسب، بل امتدت إلى مجالات سياسية وإعلامية وثقافية وأكاديمية داخل الولايات المتحدة وخارجها.

واستطاعت السردية المناصرة للقضية الفلسطينية أن تخترق جدراناً كثيرة على المستوى الدولي، والأهمّ أنها كسرت حالة الاحتكار التقليدي للرواية الإعلامية الداعمة لـ"إسرائيل"، إذ شكّلت شبكات التواصل الاجتماعي ركيزة أساسية في تغيير الفهم والوعي تجاه حقيقة ما يجري، بعيداً عن نظام التحكّم في تشكيل الرأي العامّ العالمي الذي ساد خلال العقود الماضية.

هذا الانكشاف أعاد صياغة مشهدية وسردية جديدتين في كثير من المحافل، وخلق حالة غير مسبوقة من التعاطف مع الشعب الفلسطيني. ومع مرور الوقت، بدأت هذه التحوّلات تنعكس تدريجياً، شعبياً أولاً، ثم على مواقف ممثلي الشعب، أي النواب في الكونغرس، وهذا يفسّر تزايد الأصوات المطالبة بإعادة النظر في طبيعة العلاقة مع "إسرائيل"، وربط الدعم العسكري باحترام القانون الدولي.

وهذا لا يعني أنّ الولايات المتحدة قرّرت، أو أنها على وشك، التخلّي الفوري عن "إسرائيل"، فهذه قراءة تنطوي على قدر من التسرّع، ولا تستند إلى تقييم دقيق للواقع.

فعلى الجانب الآخر من الصورة، لا تزال الدولة العميقة، ممثّلةً بالمؤسستين الأمنية والعسكرية، تنظر إلى "إسرائيل" باعتبارها حليفاً استراتيجياً مهماً في "الشرق الأوسط"، ولا تزال شبكات نفوذ اللوبي المؤيّد لـ"إسرائيل" تمتلك تأثيراً داخل مراكز صناعة القرار. إلا أنّ الجديد هو أنّ هذا الدعم لم يعد بمنأى عن النقد، ولم يعد يتمتع بحالة الإجماع التي كان يحظى بها سابقاً.

من منظور استراتيجي، فإنّ أخطر ما تواجهه "إسرائيل" ليس خسارة تصويت هنا أو هناك، وإنما بداية خسارة الاحتكار الأخلاقي للرواية التي بنت عليها شرعية الدعم الغربي، والأميركي خصوصاً، لعقود طويلة.

فالدول لا تعيش بالقوة العسكرية فقط، بل أيضاً بقوة السردية والصورة وشرعيّتهما، وبقدرتها على إقناع الحلفاء بأهمية استمرار الدعم الذي يخدم مصالحهم. وعندما تبدأ هذه القناعة بالتآكل، ويبدأ التحالف بالتصدّع، يصبح الحفاظ عليه أكثر كلفة سياسياً وأخلاقياً.

ثمّة سياق مهم جداً ينبغي التوقّف عنده، وهو أنّ ارتفاع عدد النواب الديمقراطيين داخل الكونغرس الذين يميلون، بدرجات متفاوتة، إلى مواقف أكثر انتقاداً لـ"إسرائيل" مقارنة بالفترات السابقة، يعني أنه إذا استمرت هذه الاتجاهات عقداً أو عقدين، فإنها قد تسهم بصورة كبيرة في إعادة تشكيل السياسة الأميركية تجاه "الشرق الأوسط"، حتى وإن لم يحدث ذلك بصورة مفاجئة.

في تقديري، تدرك "إسرائيل" خطورة هذا المسار، ولذلك تستثمر بكثافة غير مسبوقة في معركة الرأي العام الأميركي، وتسعى إلى تعزيز صورتها مجدّداً في مختلف المحافل.

فهي تعلم أنّ خسارة معركة عسكرية، مهما كانت مؤلمة، يمكن تعويضها، أما خسارة البيئة السياسية الأميركية فهي تهديد استراتيجي بعيد المدى، لأنّ معظم عناصر التفوّق الإسرائيلي ترتبط، بصورة أو بأخرى، باستمرار الدعم السياسي والعسكري والدبلوماسي الأميركي.

ومن هنا ينطلق القلق الإسرائيلي المتزايد من اتساع رقعة الأصوات المنتقدة داخل الحزب الديمقراطي، ومن النقاشات التي باتت تُطرح للمرة الأولى بشأن شروط تقديم المساعدات. فمثل هذه المستجدّات ليست أحداثاً منفصلة عن الواقع، بل هي محطة في مسار واحد يعكس تغيّراً تدريجياً في الوعي السياسي الأميركي.

ما يجري داخل الولايات المتحدة هو جزء من معركة ممتدة تتنافس فيها السرديات، وتتغيّر القناعات، وتُعاد صياغة الأولويات السياسية بصورة قد لا تظهر نتائجها الكاملة إلا بعد سنوات. ولذلك، فإنّ "إسرائيل" ربما لا تخشى الحاضر بقدر ما تخشى المستقبل، لأنها تدرك أنّ خسارة مواقف وآراء نواب بعقول تفكّر بطريقة مختلفة وجديدة أخطر، على المدى البعيد، من خسارة أيّ معركة عسكرية.

أعتقد أنّ التحوّلات الجارية في الولايات المتحدة لا ينبغي قراءتها باعتبارها حدثاً سريع الأثر، بل باعتبارها مساراً تراكمياً طويل الأمد. صحيح أنّ الحرب على غزة أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز النقاش العالمي، لكنها، في الوقت نفسه، فتحت باباً واسعاً لمراجعات عميقة داخل المجتمع الأميركي بشأن حدود الدعم غير المشروط لـ"إسرائيل"، وهذا هو التحوّل الأكثر أهمية في المشهد.