بعد أكثر من ألف يوم على حرب الإبادة، تعيش غزة حالة إنسانية كارثية على الصعد كافة، إلى درجة يصعب معها توصيف الواقع كما هو لمن لا يعيش داخل غزة؛ فالأرقام المجردة تعكس جانباً من الصورة القاتمة، ولا تجسد الصورة الحقيقية للمعاناة. ولا يمكن الجزم بأن الفلسطينيين في غزة قادرون على الصمود لفترة أطول في غياب الحلول التي لا تلوح في الأفق، ما يطرح علامات استفهام بشأن ما ستؤول إليه الحالة في غزة، فيما لو استمرت الكارثة الإنسانية الراهنة على حالها.
حتى يفهم القارئ جزءاً يسيراً من صورة المعاناة التي يعيشها الأفراد والعائلات في غزة، سنشير إلى عدد من النماذج والصور المصغرة وأنماط الحياة التي تغيرت بصورة جذرية عما كانت عليه قبل الحرب.
عندما ذهبت كي أعزّي صديقاً لي فقد ثلاثة من أبنائه الذكور، وبقي له ثماني بنات، وبدأت أحدثه عن الصبر والتسليم بقضاء الله وقدره، قال لي كلمات لم أستطع نسيانها، من شدة الألم الذي تركته في نفسي. قال: أنا، بفضل الله، صابر ومحتسب، وأبنائي شهداء عند الله. ولكن قصتنا في غزة بعد الحرب لا تنتهي بالصبر والرضا بما ابتُلينا به. فقبل الحرب، لم يكن الفرق كبيراً بين الذكر والأنثى، لأن أمور الحياة كانت سهلة وبسيطة، ولا تحتاج إلى وجود دائم للرجل في البيت. أما بعد الحرب، فأصبح وجود الذكور في البيت ضرورياً، بعدما تعقدت كل مناحي الحياة.
وكان أبنائي الذكور الثلاثة بالكاد يستطيعون متابعة احتياجات البيت اليومية، من نقل الماء وتعبئته يدوياً، إلى تثبيت أوتاد الخيمة، وحمل الأمتعة أثناء التنقل والنزوح، والتسوق، وجمع الحطب، وغيرها من الاحتياجات اليومية الشاقة، التي تتطلب المشي مسافات طويلة تحت أشعة الشمس أو في برد الشتاء. أما بعد استشهادهم، فأصبحت الأمور في غاية الصعوبة، ولا يمكن الاعتماد على بناتي في الأعمال الشاقة.
مشهد آخر لا يقل مأساوية: أب قُصف بيته بمن فيه، من زوجة وأربعة أبناء وعائلاتهم، وفقد كل ما يملك من مال ومدخرات. توجه الدفاع المدني إلى منزله المدمر، وتم العثور على جثمان أحد أبنائه فقط، ولم يعثروا على أثر لباقي أفراد الأسرة، وأصبحوا منذ نحو عامين في عداد المفقودين. وصار الأب يتوسل إلى جميع الجهات كي تساعده في معرفة مصير عائلته. وما يزيد الأمر صعوبة ما تقوم به دوائر الأمن الإسرائيلية من زيادة الضغوط النفسية عليه، عبر إيهامه، بمختلف الوسائل، بأن عائلته بخير، ولكن أفرادها في الأسر.
وفي مشهد ثالث، خلّفت الحرب آلاف الأفراد الذين تم تصنيفهم تحت مسمى "الناجي الوحيد"، وهم من فقدوا جميع أفراد عائلاتهم، ولم ينجُ منهم إلا فرد واحد؛ فلا أب ولا أم ولا أشقاء. ولا يمكن لأحد أن يستوعب معاناتهم النفسية التي تلازمهم كل دقيقة وعلى مدى الحياة.
ومن أوجه المعاناة التي لا يمكن أن تجد لها مثيلاً في العالم أن الأهالي بدأوا يزيلون ركام بيوتهم المهدمة بأيديهم وبالفؤوس فقط، ليس بهدف إزالة الركام، بل لاستخلاص الحديد منه واستخدامه في إنشاء خيام تؤويهم، بعد أن تلفت خيامهم البالية.
فلا شيء متوفراً في السوق، وإن توفر فبأسعار خيالية بسبب ندرته؛ فالاحتلال منع عن غزة المستلزمات كافة، ولا تدخل إلا شاحنات قليلة لا تغطي إلا جزءاً يسيراً من الاحتياجات، بينما يمنع غالبية الأصناف التي يسميها "مزدوجة الاستخدام"، كالخشب والحديد والأسمنت والحيوانات وأعلافها، واحتياجات الزراعة والصيد، والسيارات والزيوت، ومستلزمات الطاقة والكهرباء والوقود، إلا بكميات محدودة جداً، ووسائل الاتصال، كالهواتف النقالة ومستلزماتها، وغيرها الكثير.
لو قامت كبريات مؤسسات استطلاع الرأي العام، وسألت عينات على مستوى العالم أسئلة من قبيل: هل تتوفر لديكم ثلاجة، وتلفاز، وغسالة، وكهرباء، وغاز؟ هل وسائل النقل الخاصة والعامة متوفرة ومتاحة؟ هل لديكم بيت، ملك أو إيجار؟ هل يلتحق أبناؤكم بالمدارس والجامعات؟ هل تشربون مياهاً نقية؟ هل متاح لكم السفر والعودة؟ ستجيب الغالبية العظمى بـ"نعم"، إلا في غزة، فالإجابة ستكون "لا".
اليوم، لا يتوفر الغاز لدى غالبية السكان، فيلجأون إلى إشعال النار بمواد بلاستيكية، لأن الأخشاب والحطب غير متوفرين. ويشرب السكان مياهاً مجهولة المصدر وغير نقية. ولا توجد مدارس أو جامعات أو تعليم، وثلثا الناس من دون مأوى، وسط الركام والفئران والحشرات والقوارض ومياه الصرف الصحي... باختصار، أعدم الاحتلال الحياة الآدمية في غزة.
سألت أحد أصدقائي، وهو اختصاصي نفسي، عن الحالات التي يتابعها، فذكر لي نماذج منها، والقاسم المشترك بينها أنها تعاني اضطراباً نفسياً ناتجاً من آثار ما بعد الصدمة "PTSD"، وأن عددها كبير، فيما تتراوح الحالات بين البسيطة والمتوسطة والحادة.
وأشار إلى أنه قبل الحرب كان الإقبال على الاستشارات النفسية محدوداً، وكنا أحياناً نبذل جهداً كبيراً لإقناع مختلف الحالات بالعلاج النفسي. بيد أن ما خلفته الحرب من صدمات نفسية رفع حاجز التردد، وأصبحت الحالات تبحث عن الاختصاصيين النفسيين.
إن الحياة الكارثية في غزة لن يقوى السكان على التعايش معها لفترة طويلة، ولا يزالون يجهلون مصيرهم. وفي ضوء الأوضاع الكارثية، قد يتبادر إلى الأذهان أن الناس في غزة يفكرون في الهجرة للحفاظ على ما تبقى من إنسانيتهم، وربما لو لجؤوا إلى الهجرة لما لامهم أحد. بيد أن ما يثير الدهشة أن مغادرة غزة لا تتوق إليها غالبية السكان، بل العكس هو الصحيح؛ فمن غادر في بدايات الحرب الطاحنة يتلهف للعودة إلى غزة، ويتحمل في سبيل ذلك أعباء مادية ونفسية كبيرة حتى يلتحق بركب العائدين.
لا أبالغ لو قلت إن الناس يفضلون الموت في غزة على الهجرة. وهذا سر لن يكشفه إلا بحر غزة، الذي يحتضن بين مياهه وعلى شواطئه أهلها. وربما يشعر الناس بأن حريتهم، حين يسلبها منهم عدوهم، تصبح مواجهته فخراً وكرامة وواجباً وطنياً، وإذا ماتوا على يديه ماتوا شهداء. ولكنهم يخشون أن تُسلب حريتهم وكرامتهم في الغربة، وألا يقووا على مواجهة ذلك، أو حتى البوح بما تختلج به صدورهم، فيُجبروا على العيش بلا روح، ويحيوا أجساداً خاوية بلا معنى أو هدف أو كرامة.
يعيش الناس في غزة واقعاً مادياً ونفسياً قاهرين. ولا يفكرون في الهجرة، ولا يخشون الموت، بل ربما يتمنونه، لأنهم فقدوا الكثير من أحبابهم ويشتاقون إليهم، كما أنهم فقدوا الأمل في العروبة والإنسانية والأمة والأنظمة والشعوب، ولم يبقَ لهم رجاء بأحد على الأرض، وتعلق رجاؤهم بالسماء وحسب. يفضل الناس هناك الموت على النجاة بأنفسهم عبر الهروب والهجرة، وإن عاود الاحتلال الكرّة على غزة وأوغل في دمها، فسيقاتلونه بما تبقى لديهم من أظافر، ولن يهاجروا.