حرب الإرادة

الساعة 01:49 م|18 يوليو 2026

فلسطين اليوم | عماد الحطبة

يكاد الخبراء السياسيون يجمعون على أن الولايات المتحدة الأميركية لا ترغب في الذهاب إلى حرب شاملة في المنطقة، ويرون أن التصعيد الأميركي الأخير في الخليج له هدفان: الهروب من صورة الهزيمة الأميركية التي صنعتها إيران خلال الجولة الأخيرة من العدوان، ووضع إيران تحت ضغط اقتصادي واجتماعي بسبب الحصار البحري، والبري إلى حد ما، بما يجعل الجولة المقبلة من المعركة، إن حدثت، أكثر سهولة، أو يدفع إيران إلى تقديم المزيد من التنازلات في أي جولة تفاوضية مقبلة.

كلا الهدفين منطقيان، لكنهما يتعاملان مع المعركة الدائرة اليوم بمنطق الحروب التقليدية التي خاضتها القوى الإمبريالية الغاشمة ضد الشعوب، فارضةً أجندتها ومصالحها على هذه الشعوب عند نهاية المعركة. لكن ما يحدث اليوم ليس معركة بين جيوش وسياسيين، وليس حرباً بين سردية الحق وسردية الباطل فحسب، ففي رحم هذه المعركة ينمو جنين العالم القادم، حيث لا تكون قوى الشر صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة، بل تتدخل الشعوب وقواها الحية لتقول كلمتها فيما يتعلق بمصائرها.

في كتابه الشهير "دفاتر السجن"، يقول غرامشي: "العالم القديم يموت، والجديد يتأخر في الولادة، وفي هذه الفترة الفاصلة تظهر الوحوش". هذه الوحوش أخذت شكل الدول وبنيتها، لكن ذلك لم يمنعها من إظهار طبيعتها المتوحشة كلما استدعت الحاجة. لكن هذه الوحوش لا تستطيع منع الموت أو الولادة. لذلك، فإن العالم الجديد قادم لا محالة. وبقدر ما تحمله هذه الفكرة من تفاؤل، فإنها يمكن أن تحمل القدر نفسه من التشاؤم، فماذا لو انتصرت الوحوش؟ ألن يتحول العالم إلى الغابة التي تريدها القوى الاستعمارية؟

عندما وقّعت الولايات المتحدة الاتفاق مع إيران، كان كلا الطرفين يعلم أن أميركا لن تلتزم بتنفيذ أي من بنود الاتفاق، وهو ما عبّرت عنه القيادة الإيرانية في أكثر من مناسبة. ففي الوقت الذي كانت فيه إيران بحاجة إلى التقاط أنفاسها، كانت الولايات المتحدة تسعى إلى الخروج من مستنقع المواجهة المباشرة بأي ثمن، والذهاب للبحث عن انتصارات في أماكن أخرى من المنطقة والعالم. فكان "اتفاق الإطار" اللبناني - الإسرائيلي، والخروقات الصهيونية للاتفاق في جنوب لبنان، والضغط على حركة حماس لحل إدارتها في غزة وتسليم "مجلس السلام" الأميركي مقاليد الأمور.

وفق هذه الصورة المكتملة، كانت العودة مرة جديدة إلى ساحة القتال في الخليج، والهدف هذه المرة ليس إسقاط النظام في إيران، ولا مسح إيران عن الخريطة كما طالب، غير المأسوف عليه، السيناتور ليندسي غراهام، بل إيقاف عجلة تغيير العالم الذي تقوده اليوم إيران، وقد انطلقت شرارة هذا التغيير من غزة يوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتصاعد حتى بلغ اليوم أوجه من خلال ما حققته القوات المسلحة وحرس الثورة الإيرانيان.

تاريخياً، لم تتعامل القوى الاستعمارية مع دول العالم الأخرى على أنها حديقتها الخلفية، بل على أنها أملاكها التي لا يجوز لأحد التعدي عليها، حتى أصحاب الأرض أنفسهم. وهذا ما حدث عندما أعلن عبد الناصر تأميم قناة السويس، فشُنّ ضده العدوان الثلاثي، وما أصاب إيران عندما قام محمد مصدق بتأميم النفط، فنظمت الولايات المتحدة وبريطانيا الانقلاب عليه، والأمثلة كثيرة. لذلك، لم يكن غريباً أن تلجأ إلى شن حربها العدوانية على سوريا واليمن وغزة وإيران، فقد ألقى محور المقاومة قفاز التحدي في وجه القوى الاستعمارية بسعيه إلى التحرر وإنجاز الاستقلال الحقيقي.

كان "اتفاق الإطار" واضحاً في نصه بشأن التزام السفن الداخلة عبر المضيق المرور بالمسرب الذي حددته إيران، المكلفة بحماية هذه السفن. وهذا الالتزام معلوم لدى الدول والشركات التي تمر سفنها عبر المضيق، وبالتالي، فإن اختيار بعض السفن المرور عبر المسرب الجنوبي يعني أحد أمرين: إما أن الشركات التي تتبع لها هذه السفن قررت المخاطرة وتحمّل عواقب الإجراء الإيراني المتوقع، أو أن الدول التي تتبع لها هذه السفن، وهي قطر والسعودية وقبرص، قررت أخذ هذه المخاطرة. وفي الواقع، كلا الاحتمالين غير وارد. ويبقى السيناريو الثالث، وهو أن الولايات المتحدة دفعت هذه السفن إلى الممر الجنوبي، إما غصباً، أو من خلال وعود بالحماية.

والسؤال الذي يبقى حاضراً: لماذا تقوم الولايات المتحدة بكل هذا إن لم تكن معنية بالحرب، كما أسلفت؟ الأسباب كثيرة، وأهمها:

أولاً: وهو السبب الأكثر أهمية، ويتمثل في كسر الإرادة الإيرانية، وتأكيد الهيمنة الاستعمارية على جميع الطرق التجارية، خاصةً بعد التشييع التاريخي للإمام القائد علي خامنئي، والذي يمكن اعتباره استفتاءً في الموافقة الشعبية على سياسات القيادة الإيرانية، ما سيدفع هذه القيادة إلى التمسك بمواقفها ورفض تقديم التنازلات التي يرغب الاستعمار في سماعها.

ثانياً: العودة إلى فرض الحصار البحري على إيران، تحت حجة خرق الاتفاق، ما يزيد الضغط الاقتصادي داخل إيران، وكذلك على خصوم الولايات المتحدة الاقتصاديين، وفي مقدمتهم الصين، بسبب ارتفاع أسعار النفط والغاز، خاصةً أن فصل الشتاء أصبح على الأبواب.

ثالثاً: إعادة تأجيج الصراع في اليمن، على خلفية الدعم الإيراني لأنصار الله وخرق الحصار المفروض على اليمن، لإحكام السيطرة على مضيق باب المندب، وبهذا تكتمل السيطرة الاستعمارية على أهم ثلاثة ممرات تجارية في العالم: هرمز وباب المندب وقناة السويس.

إن ما تحتاج إليه إيران اليوم، إضافةً إلى المعدات العسكرية، هو الإرادة السياسية، وقد عبّر عنها القائد السيد مجتبى خامنئي في الرسالة التي وجهها عشية التشييع. إيران ومحور المقاومة يمتلكان الإرادة والقدرة على الصمود والقبول بتقديم التضحيات. ويبقى على القوى السياسية التحررية العربية والعالمية أن تمتلك إرادةً واستعداداً مماثلين، وأن تتخلى عن الخطاب الليبرالي الذي يحاول إرضاء جميع الأطراف، واللجوء إلى الموقف التاريخي الجذري، وعندها يكون النصر صبر ساعة.