تكشف الأسواق في قطاع غزة اليوم عن خلل اقتصادي يتجاوز مفهوم نقص السلع أو ارتفاع الأسعار إذ تتمثل المشكلة الأساسية في فقدان مستلزمات إنتاج صغيرة تشكل الأساس الذي تعتمد عليه عشرات المهن والأنشطة الاقتصادية.
مثلا، عندما يختفي سيخ اللحام أو المسمار أو زيت السيارات، تتوقف ورش الحدادة والسباكة والنجارة، وتتراجع قدرة السوق على الإنتاج رغم استمرار الحاجة إلى هذه الخدمات.
يعكس هذا الواقع اختلالا واضحا في سلاسل الإمداد حيث تتوافر بعض السلع الاستهلاكية في الأسواق، بينما تغيب المواد الخام والأدوات الوسيطة اللازمة لتشغيل الورش والمصانع. هذا الاختلال يحد من قدرة القطاع الخاص على استئناف نشاطه ويؤدي إلى تعطيل دورة الإنتاج التي تمثل المحرك الرئيسي لأي اقتصاد.
كما أن ارتفاع أسعار هذه المستلزمات لا يقتصر أثره على أصحاب المهن، إذ تنتقل كلفة الإنتاج تدريجيا إلى أسعار خدمات الصيانة والبناء والنقل، ما يزيد الأعباء على المواطنين ويضعف القدرة الشرائية في ظل تراجع الدخول.
ومع استمرار نقص المواد الخام، تتوسع سوق الأدوات المستعملة والبدائل منخفضة الجودة، وهو ما يقلل كفاءة الإنتاج ويرفع تكاليف الصيانة مستقبلا. وفي الوقت نفسه، تخسر السوق جزءا من قدرتها على خلق فرص العمل لأن الورش التي تتوقف عن الإنتاج تتوقف أيضا عن تشغيل العمال وتوليد الدخل.
ولذلك يبدأ التعافي الاقتصادي بإعادة تدفق مستلزمات الإنتاج اليومية التي تضمن استمرار عمل الورش والحرف، قبل الحديث عن إدخال المعدات الثقيلة أو تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار. فهذه السلع الصغيرة تمثل الحلقة الأولى في دورة الاقتصاد وغيابها يؤدي إلى تعطيل قطاعات كاملة ويطيل أمد الركود ويؤخر استعادة النشاط الاقتصادي بصورة طبيعية.