هل يلعب نتنياهو ورقته الأخيرة في غزة لإنقاذ مستقبله السياسي؟

الساعة 03:37 م|14 يوليو 2026

فلسطين اليوم | أحمد عبد الرحمن

أحمد عبد الرحمن

لا تبدو حظوظ مجرم الحرب والفار من وجه العدالة الدولية بنيامين نتنياهو في الحفاظ على كرسيّ الحكم في "إسرائيل" على خير ما يرام، إذ تشير معظم استطلاعات الرأي الصادرة أخيراً عن مراكز دراسات متعدّدة ووسائل إعلام مختلفة إلى انخفاض واضح في نسبة المصوّتين لحزب الليكود اليميني المتطرّف، والذي يشكّل منذ نهاية كانون الأول/ديسمبر من العام 2022 رفقة باقي الأحزاب اليمينية الحكومة الإسرائيلية الأكثر تطرّفاً في تاريخ "الدولة" العبرية، والتي وعلى الرغم من اعتماد كلّ حكوماتها المتلاحقة لنهج العنف والإجرام في التعامل مع أعدائها القريبين والبعيدين، إلا أنها لم تصل خلال أكثر من سبعة عقود ونصف العقد من عمرها إلى هذا المستوى من الإجرام، والذي بلغ بحسب محكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية نسباً لم يبلغها من قبل.

وأدّى في جزء من نتائجه الكارثية إلى إزهاق أرواح أكثر من ثمانين ألف مواطن بريء في قطاع غزة المنكوب، وإلى دمار هائل في البنى التحتية والمنشآت المدنية والصحية والإغاثية تجاوز نسبة التسعين بالمئة، وهو ما تمّ تصنيفه من قبل المحاكم الدولية كجريمة حرب مكتملة الأركان، على الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلها الكيان الصهيوني، ومعه حليفه الأميركي لنفي هذه التهمة، أو على أقلّ تقدير تفريغها من مضمونها، والتقليل من تداعياتها.

يمكن النظر إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو كأكثر رؤساء الوزراء في تاريخ الكيان العبري عنفاً ودموية، متجاوزاً في ذلك "دافيد بن غوريون" أوّل رئيس وزراء ووزير حرب بعد تأسيس "الدولة" اليهودية، والذي وضع نظرية الأمن القومي لـ"الدولة" العبرية، والتي اعتمدت في كلّ مبادئها على القتل والإجرام وإراقة الدماء من أجل الوصول إلى حلم "إسرائيل الكبرى"، والذي خاضت من أجله "الدولة" المارقة حروباً ومعارك عديدة ،ومن بعده "مناحيم بيغن" أول رئيس وزراء من حزب الليكود في العام 1977، وإلى جانبهما "إسحاق رابين" صاحب نظرية "تكسير العظام" خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى في العام 1987، و"أريئيل شارون" جزّار صبرا وشاتيلا، وغيرهم الكثير ممن اعتمدوا على العنف والقتل كوسيلة من أجل تحقيق أهداف "الدولة"، وردع وترهيب كلّ أعدائها على اختلاف جنسيّاتهم وأعراقهم ودياناتهم.

بعد معركة "طوفان الأقصى" أواخر العام 2023 واجه نتنياهو مروحة واسعة من الأزمات، ولا سيّما بعد الإخفاق الكبير وغير المسبوق الذي مُنيت به قواته العسكرية المنتشرة على طول الحدود مع قطاع غزة، والتي سقطت في غضون ساعتين من الزمن أمام بضعة مئات من المقاتلين الفلسطينيين، والذين كانوا يفتقدون لمعظم الإمكانيات والوسائل العسكرية الحديثة، إلا أنهم تمكّنوا من اقتحام معظم المواقع العسكرية الإسرائيلية الممتدّة على شعاع 60 كلم شمال وشرق القطاع، والسيطرة عليها، بل والتوغّل في بعض القطاعات إلى مسافة لا تقلّ عن عشرين كيلومتراً داخل الأراضي المحتلة عام 48، واقتياد مئات الأسرى من جنود الاحتلال وضباطه ومستوطنيه إلى داخل أراضي القطاع، وهو الأمر الذي صنّفته التحقيقات الإسرائيلية بأنه فشل تامّ وكامل لفرقة غزة التي كانت تتولى مهمة تأمين حدود القطاع، وفشل كبير للمستويين السياسي والعسكري في كلّ "الدولة"، والتي كانت على وشك الانهيار لولا التدخّل الأميركي العاجل والطارئ.

أزمات أخرى أحاطت بنتنياهو مثل أزمة الإصلاحات القضائية، وتجنيد الحريديم، وأزمة إقالة وزير الحرب السابق يؤاف غالانت ورئيس الشاباك والمستشارة القضائية، إلى جانب الفضائح المتتالية التي كشفت الصحافة الإسرائيلية عن بعضها مثل تلقّي الرشاوى، والإنفاق المبالغ فيه، وفضائح متعلّقة بزوجته سارة، وأخرى بابنه يائير وغير ذلك الكثير.

كلّ ما سبق أثّر بشكل واضح على حظوظ نتنياهو في الفوز بولاية جديدة لرئاسة الوزراء في الكيان العبري، وهو ما دفعه للبحث بكلّ السبل والوسائل عن مخرج قد يُنقذ مستقبله السياسي، ويجنّبه مصيراً أسود بات ينتظره في حال خسر الانتخابات المقبلة، وهو مصير بات قاب قوسين أو أدنى منه، خصوصاً وأنّ قضايا الفساد المنظورة ضدّه في المحاكم الإسرائيلية يمكن أن تجعله يقضي ما تبقّى له من سنوات خلف قضبان السجون، كما كان حال رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت.    

خلال الأشهر الأخيرة حاول نتنياهو المأزوم لعب أوراقه الأخيرة لإنقاذ نفسه من مصير آتٍ، حيث وجد ضالّته في الحرب الصهيوأميركية على إيران، والتي فتحت أمامه نافذه مهمة كما يقول بعض المحللين الإسرائيليين من أجل الهروب من مصيره الأسود، ومن أجل التغطية على سقوطه الكبير في قطاع غزة، وهو وإن كان قد نجح في تحقيق إنجاز مهم في الأيام الأولى من العدوان أواخر شباط/فبراير الماضي من خلال اغتيال مرشد الثورة الإيرانية الشهيد على خامنئي رضوان الله عليه، وإلى جانبه العديد من قادة الصف الأول في الجمهورية الإسلامية في إيران، إلا أنّ ردّ الفعل الإيراني الحاسم، والذي شكّل صدمة مدوّية وغير مُنتظرة لكلّ سكّان الكيان الصهيوني، كما كان الحال بالنسبة للحليف الأميركي ،قد أعادا الأمور إلى نصابها، وجعلا من مهمّة تحقيق إنجاز لافت بإسقاط النظام الإسلامي في إيران، والسيطرة على مواردها وخيراتها،وهو ما كان يعني السيطرة على كلّ المنطقة جعل من كلّ ذلك ضرباً من المستحيل، وهو ما دفع الكيان وحليفه الأميركي لاحقاً إلى البحث عن مخارج لوقف الحرب، ووقف نزيف الخسائر التي وصلت بحسب اعتراف مصادر رسمية وتحقيقات صحفية إلى مستويات قياسية.

ورقة أخرى لعب بها نتنياهو وكانت هذه المرة من النافذة اللبنانية، والتي حاول الولوج منها نحو النجاة من السقوط والسجن وتمثّلت في توسيع الحرب على لبنان، حيث زجّ بالعديد من فرقه القتالية النخبوية والخاصة داخل المستنقع اللبناني، وهو الأمر الذي حذّر منه الكثير من قادة الجيش الصهيوني، والذين خبروا جيداً ماذا يعني الدخول إلى مناطق ذات طبيعة جغرافية صعبة وقاسية، وفي مواجهة خصم شديد المراس، واسع الخبرة، ويملك إمكانيات أقلّ ما يُقال عنها أنها نوعية، ويمكن أن تشكّل كسراً للخطوط الحمر التي كان يعتقد "جيش" الاحتلال أنه قادر على المحافظة عليها بفعل تفوّقه الكبير على صعيد العتاد والعديد.

بعد أسابيع من القتال الضاري في قرى وبلدات جنوب لبنان، وبعد تكبّد "الجيش" الإسرائيلي لخسائر فادحة نتيجة استخدام مقاتلي حزب الله للطائرات المسيّرة الانتحارية، والصواريخ المضادّة للدروع التي يصل مدى البعض منها إلى نحو عشرة كيلومترات، اضطرّ العدو للانكفاء ميدانياً إلى الخلف مرة أخرى، والتوجّه نحو تحقيق إنجاز عبر الطرق الدبلوماسية عبر المفاوضات المباشرة مع الحكومة اللبنانية برعاية أميركية، وهو الأمر الذي وإن نجح من خلاله في الوصول إلى اتفاق "الإطار" بين الجانبين، إلا أنه لم يغيّر شيئاً على أرض الواقع، حيث بقيت الكلمة للميدان وللمقاتلين، والذين ما زالوا يمسكون بزمام الأمور بكلّ قوّة واقتدار.

الورقة الثالثة والأخيرة والتي بقيت نافذتها مفتوحة أمام نتنياهو هي قطاع غزة، والذي يبدو أنه بات الملاذ الأخير له لتحقيق إنجاز بحث عنه مطوّلاً، ولم ينجح في الوصول إليه خلال أكثر من ثلاثة وثلاثين شهراً.   

فيما يخصّ غزة المنكوبة بفعل الحرب والحصار يعمل "جيش" العدو وبأوامر مباشرة من نتنياهو ووزير حربه كاتس على توسيع مناطق نفوذه طولاً وعرضاً، والسيطرة على جغرافيا جديدة من أراضي القطاع، والذي وصلت فيه نسبة السيطرة الإسرائيلية خلال الأسبوع الأخير تحديداً إلى أكثر من سبعين بالمئة، وهو ما يتجاوز النسبة التي أعلن نتنياهو بنفسه عنها قبل نحو أسبوعين.

في هذا الموضوع بالذات تزيد "إسرائيل" من مساحة المناطق التي تسيطر عليها من الشرق باتجاه الغرب، وهي تسعى كما تشير كلّ المعطيات إلى حشر سكّان القطاع في المناطق الغربية منه، وهي المناطق التي لا تملك البنية التحتية والخدمية اللازمة لوجود هذا الكمّ الهائل من السكّان، والذين يتكدّسون في خيام بالية، وفي ما تبقّى من مؤسسات ومدارس وجامعات هدمت معظم مبانيها ومرافقها الأساسية، في مشهد إنساني كارثي، وفي ظل أوضاع صحية وغذائية غاية في السوء، الأمر الذي أدّى إلى ظهور عشرات الأمراض المعدية شديدة الخطورة، وإلى حصول وفيات ولا سيّما في أوساط الأطفال حديثي الولادة وكبار السن.

إلى جانب توسيع مناطق السيطرة الإسرائيلية، وطرد المزيد من السكّان نحو الجهات الغربية من القطاع، يرفع "جيش" العدو من وتيرة عمليات الاغتيال التي يقوم بها ضدّ الناشطين الفلسطينيين، مستخدماً طيفاً واسعاً من الأدوات الاستخبارية والتجسّسية، وجمع المعلومات عبر منظومات الذكاء الاصطناعي، والذي تشير العديد من المعلومات إلى وقوف هذه المنظومات خلف معظم عمليات الاغتيال الأخيرة في غزة.

بحسب الكثير من المحلّلين والمختصّين فإنّ هناك محاولة إسرائيلية واضحة لتهيئة الميدان لعملية عسكرية واسعة في قطاع غزة، حيث يحاول "جيش" الاحتلال حرمان فصائل المقاومة الفلسطينية من أكبر عدد ممكن من مقاتليها وكوادرها، إلى جانب استهداف أيّ مكان أو منشأة يعتقد أنها قد تساعد في استعادة المقاومة لجزء من إمكانياتها، وهو يقوم بذلك بشكل تصاعدي كما تشير الأحداث خلال الشهرين الأخيرين.

يمكن الاعتقاد بأنّ هذه العمليات ستزداد كمّاً ونوعاً خلال الشهور المقبلة حتى موعد الانتخابات البرلمانية في "إسرائيل"، وربما تصل إلى ذروتها خلال تشرين الأول/أكتوبر المقبل لتحقيق إنجاز يعتقد نتنياهو ومستشاروه أنه الوحيد المتاح في ظلّ تعقيدات الجبهات الأخرى.

على كلّ حال قد تبدو فرص الوصول إلى هذه العملية أعلى بكثير من فرص أخرى يعتقد البعض أنها ممكنة في ظلّ الأخبار المتداولة حول وصول طلائع قوة الاستقرار إلى بعض مناطق القطاع، وإلى قرب حدوث انفراجة تسمح بدخول لجنة إدارة غزة لاستلام مهامها وتولّي زمام الأمور في تيسير حياة الناس وتأمين مستلزماتهم المعيشية والإغاثية ،إلا أنّ الواقع يشير إلى أنّ هناك كثيراً من العراقيل تقف في وجه هذه الانفراجة المأمولة، وفي المقدّمة منها التهرّب الإسرائيلي من الوفاء بالجزء الأكبر من التزاماته ضمن اتفاق وقف إطلاق النار ،وإدارة ظهره لكلّ ما تمّ التوافق عليه في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي. 

غير أنّ مثل هذه العملية لن تكون سهلة على الإطلاق، إذ لن تسمح الكثافة السكّانية الهائلة في مناطق عمرانية صغيرة، وفي دفاع المقاومة عن مناطق جغرافية محدودة، في جعل أيّ عملية عسكرية متوقّعة يسيرة ومتاحة، بل ستحوّلها إلى عملية معقّدة وشديدة الخطورة، إضافة إلى ما يمكن أن يصاحبها من انتقادات دولية واسعة، وهذا ما يجعل من إمكانية اتخاذ قرار نهائي بشأنها محط شكّ وترقّب، ولا سيّما في حال تجدّد المواجهة في الإقليم بين الولايات المتحدة وإيران، والذي لن تكون"الدولة" العبرية بمنأى عنه،وهو ما يمكن أن يؤخّر مخطّطاتها تجاه غزة أو يمنعها في حال حدوث تطوّرات إقليمية كبيرة .