حين تفضح الجغرافيا التاريخ

الساعة 11:01 ص|14 يوليو 2026

فلسطين اليوم

عن مضيق هرمز أتحدث وأسأل: هل تفضح الجغرافيا التاريخ؟ ربما حين تصر جغرافيا معينة في كثير من الأحيان على لعب الدور الحاسم في تأكيد مصداقية التاريخ والسياسة والاقتصاد أو دحض هذه المصداقية وتفنيدها وفضح الأطماع والتعديات.

وليس أدل على حقيقة هذا الدور في التاريخ الحديث من مشكلة مضيق هرمز وقبله ومعه مضيق باب المندب. 

 

شاءت مصادفات الجغرافيا أن يكون مضيق هرمز تحت سيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة ومن الجهة الأخرى عمان، وأن يكون مضيق باب المندب تحت السيادة اليمنية، ولأن هذين المضيفين لهما أهمية بالغة في الاقتصاد العالمي يستكثر عليهما الغرب هذه السيادة، على اعتبار أن السيادة حكر وهبة ربانية وُهبت للغرب أو للولايات المتحدة وبعض ذيولها وأصابعها. 

 

حين تستفيد الولايات المتحدة وحدها من بركات المسيسيبي والأمازون التجارية والسياحية والملاحية وغير ذلك، فتلك في نظرهم حق خالص للولايات المتحدة لا ينازعها فيه أحد، ولا يجرؤ أحد أن يقاسمها ولو قليلاً من الفائدة لوجه الله.

 

وحين تمتلك فرنسا كل الحقوق وتجني كل الفوائد من سيطرتها على نهر السين، وكذلك بريطانيا وعلاقتها مع نهر التايمز وعدد من الدول الأوروبية ونهر الراين وغير ذلك الكثير الكثير، فلا يحق لأحد أن يسأل أو ينازع الدول الواقعة جغرافياً على الضفاف.

 

فهذه حقوق كاملة مكملة للدول صاحبة السيادة تضمنها لها الاتفاقيات الدولية. نعم بالاتفاقيات الدولية والمواثيق تصبح نافعة قاطعة مانعة حين تصب في خدمة المشروع الاستعماري الغربي وعلى رأسه الولايات المتحدة. 

 

ولا بأس لديها أن تتقاسم نعمة الجغرافيا في دول " المحميات" الأميركية كحق مقابل "الحماية".

 

وكلنا رأينا بشكل فاضح الجباية التي استهلّ ترمب رئاسته الثانية بها في دول الخليج والنفط والحجج، المليارات التي قُدمت له على شكل هدايا ومنح واتفاقيات مذلة.

 

وحين تمتلك المملكة العربية السعودية بصدقة الجغرافيا امتيازات في السياحة الدينية المتمثلة باستقبال ملايين الحجاج والمعتمرين من شتى أصقاع الدول الإسلامية والدول التي يوجد فيها المسلمون فهذا حق للمملكة السعودية بشروط أميركية.

 

"بالصحة والهنا" تتقاضى الولايات المتحدة عمولتها الكبيرة بسبب "دورها" في الحماية والوصاية، وكذلك الأمر في نفط قطر والكويت والبحرين والإمارات وغيرها.

 

والعمولة الكبيرة جداً هي العمولة المالية، لكن العمولة الأكبر بما لا يقاس هي العمولة السياسية، العمولة السياسية هي الكلمة الملطفة الوقع لمصطلح العمالة، لكن مهما تلطّفت المفردة أو العبارة هنا فلن تتخطى كونها لطخة عار مفضوحة تماماً.

 

أما أن يكون مضيق هرمز وباب المندب خاضعين لدول غير خاضعة للمشيئة الأميركية الاستعمارية وقادرة على أن تواجهها وتقول لها لا وترد لها الصاع صاعين، فهذا ما لا يقبله العرف الاستعماري اللصوصي الذي اعتاد طيلة حياته على مص دماء الشعوب والهيمنة على مقدراتها ومقدرات البلاد والعباد.

 

يعيدنا ذلك إلى العدوان الثلاثي الذي شُنّ على مصر جمال عبد الناصر في التاسع والعشرين من أكتوبر عام 1956 كرد فعل مباشر على إعلان الزعيم الراحل جمال عبد الناصر عن تأميم قناة السويس في السادس والعشرين من من تموز يوليو من العام نفسه. فلم يصبر المستعمرون على هذا القرار سوى ثلاثة أشهر حتى باشروا بالعدوان الشرس من أجل تقويض الدولة التي أصبحت تقول للأمريكان لا. ولكن العدوان فشل ومُني المستعمرون الثلاثة بالخيبة والهزيمة. 

 

والذاكرة الجمعية حافلة بالنماذج، فالحرب الشعواء التي شنتها و تشنها الولايات المتحدة ضد الصين التي تنافسها اقتصادياً وضد سوريا وقبلها العراق وبينهما ليبيا وبعدها فنزويلا وغيرها من الدول التي قالت لا لأميركا تؤكد المؤكد في شخصية النظم الغربية المستبدة و المتوحشة.

 

فمهما ادّعت التحضّر والديمقراطية إلا أنها في جوهرها لن ترقى إلى مستوى قاطع الطريق. وهذا يعيد إلى الذهن رواية الكاتب الكبير حنّا مينا" شرف قاطع طريق". 

 

هذا الشرف " شرف قاطع طريق" بعيد حد المستحيل عن الولايات المتحدة وأذنابها.

 

خلاصة القول إنه حين يستفحل الغباء والوقاحة في رؤوس صانعي السياسات الاستعمارية فإنهم يريدون التحكم في مسار التاريخ بدءاً من ميادين القتال والسوق حتى ملاعب كرة القدم. كما حصل في الضغط على رئيس الفيفا لإلغاء قرار بوقف اللاعب الأميركي المخالف وأن يطوّع قوانين اللعبة وقوانين كل شيء لصالح أطماعه ووقاحته. 

 

فطوبى لإيران، طوبى لليمن، طوبى للمقاومة الفلسطينية، طوبى لحزب الله والمقاومة اللبنانية الذين "قالوا لا في وجه من قالوا نعم" .

 

حين تفضح الجغرافيا التاريخ، بقلم: وداد البرغوثي