تجار غزة يرفضون "الكاش": مخطط إسرائيلي لإحكام السيطرة المالية على القطاع

الساعة 04:23 م|13 يوليو 2026

فلسطين اليوم- غزة

تواجه أسواق قطاع غزة أزمة اقتصادية مستجدة تضاف إلى سلسلة الأزمات المركبة التي يعيشها القطاع؛ حيث بدأت تطفو على السطح ظاهرة امتناع بعض المحال التجارية عن استقبال المعاملات النقدية "الكاش"، واشتراطهم التحويل البنكي الإلكتروني لإتمام عمليات البيع، حتى وإن كانت الأوراق النقدية بحالة ممتازة. هذه الظاهرة أثارت حالة من الإرباك والركود في الأسواق التي تعتمد تاريخياً وبشكل أساسي على التداول النقدي المباشر.

واشتكى العديد من المواطنين الذين التقت بهم مراسلة "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية" من رفض أصحاب المحال التجارية البيع بالعملات النقدية (الكاش)، معبرين عن استياءهم الشديد من هذه الظاهرة، حيث انهم وجدوا أنفسهم عاجزين عن شراء احتياجاتهم الأساسية رغم امتلاكهم للمال النقدي.

يقول أبو أيمن: "توجهت لشراء بعض المستلزمات، ومعي مبالغ نقدية فئة 50 و100 شيكل بحالة ممتازة وجديدة، إلا أن صاحب المحل رفض استلامها وطلب مني تحويلاً بنكياً عبر التطبيق. هذا تعجيز للمواطن، فليس الجميع يملك حسابات بنكية نشطة أو هواتف ذكية مهيأة طوال الوقت في ظل أزمات الكهرباء والإنترنت".

بدوره قال المواطن الستيني أبو أسامة إن "عدم الثقة في الكاش وصل لدرجة غير معقولة. في البداية قالوا الفئات التالفة، ثم رفضوا فئة 10 شيكل، والآن يرفضون الكاش النظيف تماماً! الأسواق تصاب بالشلل، والناس البسيطة هي من تدفع الثمن".

ويرى خبراء ومحللون اقتصاديون أن الأزمة تتجاوز مجرد سلوك تجاري فردي، لتصل إلى أبعاد سياسية وأمنية مرتبطة ببيئة القطاع المحاصر.

ويقول المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر إن انعدام الثقة في العملة الورقية بدأت من خلال فقدان تدريجي للثقة في بعض الفئات النقدية (مثل فئة 10 شيكل) أو المخاوف من تلف الأوراق، وتطورت سريعاً لتصبح سلوكاً عاماً لدى بعض كبار التجار لحماية أنفسهم، مما أدى إلى تجفيف شبه كامل للسيولة النقدية في الأسواق.

وأشار أبو قمر في حديث ل "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية" إلى أن "إعدام الكاش" في غزة والتوجه القسري نحو الدفع الإلكتروني ليس مجرد تطور تكنولوجي طبيعي، بل هو مخطط إسرائيلي يسعى لفرض سيطرة مالية مطلقة.

ويهدف الاحتلال من خلال زيادة حصة المعاملات الإلكترونية إلى كشف الهيكل المالي للقطاع بشكل كامل، وتسهيل مراقبة حركة الأموال والحسابات البنكية، وفقا للمحلل أبو قمر

وأوضح المحلل الاقتصادي بأن هذا التوجه تترجمه الإجراءات الأخيرة التي تمثلت في إغلاق وتجميد العديد من الحسابات البنكية للمواطنين والتجار بتوجيهات إسرائيلية وأمريكية مباشرة تحت ذرائع ومبررات مختلفة.

ولفت إلى أن الرفض ليس للدفع الإلكتروني كمنظومة حديثة، بل الإشكالية تكمن في محاولة إعدام الكاش بشكل كامل في بيئة محاصرة تعاني أصلاً من ركود عميق ومشاكل هيكلية حادة، مشيرا إلى أن إلغاء الكاش في ظل هذه الظروف أدى إلى امتصاص السيولة من الأسواق بطرق غير رسمية، وبالتالي زيادة حدة الركود بسبب امتناع التجار عن التعامل بالفئات القديمة أو الكاش بشكل عام، في وقت يمتلك فيه غالبية المواطنين أموالهم مدخرةً أو مكتسبةً بالشكل الورقي التقليدي.

ويعزو الخبير الاقتصادي هذه الظاهرة إلى غياب الدور الرقابي وسلطة النقد، في ظل ما يصفه مراقبون بـ"الصمت المطلق" لسلطة النقد الفلسطينية، والعجز عن اتخاذ إجراءات حازمة تلزم البنوك والمحال التجارية بتسهيل المعاملات.

وأكد المحلل ابو قمر بأن هذا الغياب إلى أسباب سياسية تحول دون عودة سيطرة حقيقية وفعلية لسلطة النقد لتولي مهامها الإشرافية في القطاع، مما ترك الساحة المصرفية والتجارية لـ"الإجراءات التعسفية" من قبل البنوك، وساهم بشكل مباشر في تعميق الركود الاقتصادي وتكريس أزمة انعدام السيولة.

وتتحول أزمة "الكاش" في غزة متسارعةً من مشكلة إجراءات بيع وشراء يومية إلى أداة حصار مالي جديدة وضغط اقتصادي يمس مقومات الصمود اليومي للمواطن. وبدون تدخل سياسي ومصرفي عاجل يعيد الثقة للعملة النقدية ويحمي خصوصية الحسابات البنكية، فإن أسواق غزة تتجه نحو حالة غير مسبوقة من الشلل التجاري.