د. وليد القططي
انتهت مراسم التشييع المهيبة لجثمان الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، المرشد الأعلى للثورة والجمهورية في إيران الإسلام والمقاومة، وانتهت معها مرحلة القيادة بالفعل للإمام الشهيد التي استمرت ما يقرب من أربعة عقود من الزمان، لتبدأ بعدها مرحلة القيادة بالظاهرة للإمام الشهيد إلى ما شاء الله من الزمان..
ظاهرة الإمام الخامنئي تستدعي مفهوم (الإنسان الظاهرة) وما تُعّبر عنه من دلالات: الفرد المؤسسة، والشخص المنظومة، والواحد الأُمّة، وما تتضمنه من معاني: مكارم الأخلاق، وقاموس الفضيلة، وشمولية القيادة.. لنقف اليوم في حضرة الإمام الغائب الحاضر.. نتأمل ظاهرة الإمام الخامنئي لنستلهم منها قبساً من عظمة الإمام الشهيد.. القائد والمدرسة والظاهرة.
ظاهرة الإمام الخامنئي التي أسس مدرستها العريقة الإمام الثائر المُجدد آية الله روح الله الخميني، مُفجّر الثورة الجماهيرية ومؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران، بجذورها التاريخية المُمتدة إلى غار حراء، وبهويتها الإسلامية المُنطلقة من دار الأرقم، هي ظاهرة مُتشعبة الأبعاد، فالثورة نجدها في: الإنسان الثائر، والمقاتل الاستشهادي، والمناضل الأُممي، والعالم العامِل. والعلم نجده في: الفقيه المجتهد، والمفكر المبدع، والمُنظّر الاستراتيجي، والمُحلّل البصير. والقيادة نجدها في المُخطط المُستشرف، والسياسي المحنك، والقائد الحكيم، والزعيم الشعبي، والتقوى نجدها في العابد الصوفي، والزاهد العرفاني، والرقة نجدها في الأديب المُرهف بإحساسه والشاعر الصادق بعاطفته.
ظاهرة الإمام الخامنئي.. ظاهرة عميقة المعاني، ومنها أنها تُقدّم نموذج (الإسلام المحمدي الأصيل)، بمعانيه: الحضارية والوسطية والثورية والتجديدية والوحدوية... مُقابل نموذج (الإسلام الأمريكاني الدخيل) بوجهيه: التطبيعي المُهادن للكيان الصهيوني والخاضع للاستكبار الأميركي، والتكفيري الموغل في دماء المسلمين والمُتمرس في تفسيخ الأمة الإسلامية.
ومن معانيها أنها تقدم مثال (المدرسة السياسية الأخلاقية) التي ربطت الفكر السياسي بالدين الإسلامي، وقرنت الممارسة السياسية بالقيم الأخلاقية، ومارست المرونة السياسية بضوابط الثوابت الدينية والقيم الأخلاقية. مقابل مثال (المدرسة السياسية الميكافيلية) التي جعلت الغاية تُبرر الوسيلة، والسياسة معزولة عن الدين والقيم، والمصالح مُقدمة على المبادئ والأخلاق.
ظاهرة الإمام الخامنئي ومدرسته الأخلاقية خبرها كاتب هذا المقال عن قُرب من خلال لقاءين مُباشرين بالإمام الشهيد برفقة مجموعة من الزملاء الفلسطينيين بمكتبه في طهران بفارق أربع سنوات بينهما قبل حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة... عُقد كل لقاء بحضرة الهيبة التي زادها وقاراً بساطة مكتبه وتواضع سلوكه، وبمعية العظمة التي زادها سمّواً تركيز إنصاته لنا ودفء حديثه معنا، وفي ظل الثقة التي زادها سكينةً إيمانه الصوفي وعلمه الموسوعي... وعُقد اللقاءان في رحاب الإيمان والوعي والثورة... الإيمان الذي زاده يقيناً طمأنينة قلبه وصدق لسانه، والوعي الذي زاده تنويراً قوة بصيرته ودقة استشرافه، والثورة التي زادها توهجاً قدسية الهدف وطهارة الوسيلة.
هذه الانطباعات كانت من وحي قراءة ما بين الإنصات والحديث من لغةٍ غير منطوقة، أما اللغة المنطوقة في اللقاءين فنقبس من محاورها ما تيسّر من ملامح الرجل الظاهرة والمدرسة، وفي مقدمتها (فلسطين)... القضية والشعب والمقاومة، وموقعها بالنسبة لإيران كقضية أولى ومركزية للأمة الإسلامية، والتزام بدعمها كواجب إنساني وأخلاقي وديني، وأهمية توحيد حركات المقاومة الفلسطينية ووحدة ساحات المقاومة وتفعيل المقاومة المسلحة داخل فلسطين. وكان محورها الثاني (المقاومة) كمدرسة عقائدية ركيزتها الجهاد، ومنهج حياة جوهره العزة والكرامة والتمرد على الظلم والاستكبار ومشروع نهضة حضارية لإيران والأمة يعتمد على الذات، ومحورها الثالث (الوحدة) وأهمها وحدة الأمة الإسلامية كواجب ديني ومصلحة جماعية وضرورة استراتيجية، معتبراً الفتنة المذهبية بين السُنّة والشيعة مؤامرة استعمارية.
الانطباعات والمحاور المُستلهمة من اللقاءين قبس من ظاهرة الإمام الخامنئي الإنسانية ومدرسته القيادية... المدرسة التي تتميز بالبصيرة والاستشراف... الملكتان اللتان تُميزان بين نوعين من القيادة... القيادة التي تمتلك بطريقة فردية ومؤسساتية قوة البصيرة بالواقع الحاضر ودقة الاستشراف للمستقبل، والتي تُمارس القيادة الاستباقية فلا تكتفي بإدارة أزمات الحاضر بل تستعد لتجاوز تحديات المستقبل، والتي لديها بوصلة استراتيجية لتحديد الاتجاه ومنهج علمي لتحديد الأولويات والتنبؤ بالمآلات.
والقيادة التي تفتقد البصيرة والاستشراف فرداً ومؤسسة، وتتعامل بردات الفعل العشوائية واتخاذ القرارات الارتجالية، ومن دون بوصلة استراتيجية وتتخبط في تحديد الأولويات والتنبؤ بالمآلات؛ ومليئة بالأوهام في تقييم القوة والقدرات فتضخم ذاتها وتُصغر عدوها.
البصيرة والاستشراف... قبسٌ من عظمة الإمام الشهيد... كظاهرة ومدرسة شرحهما نظرياً ومارسهما عملياً ورسخهما مؤسساتياً، فالبصيرة كما عرفها هي "الوعي والتنبه والتيقظ ورسم الاتجاه الصحيح"، وكما وصفها بأنها "سراج يُضيء الطريق في جُنح الليل، وبوصلة تقود إلى المسار الصحيح للتحرك باتجاه الهدف في صحاري الحيرة".
وواضح أنَّ للبصيرة بُعداً إيمانياً هو دراية ورشد يقذفهما الله في القلب أعمق من العلم العقلي ليكون البوصلة التي تمنع من فقدان الطريقة. وللبصيرة بُعداً علمياً هو تدبر الأحداث وإدراك الواقع ودراسة المتغيرات بطريقة تحليلية واستدلالية لاتخاذ القرار السليم والموقف الصحيح، وهي بمنزلة كشاف النور الذي يُزيل حُجب المعرفة والإدراك، وبوصلة الطريق التي تُحدد الاتجاه الصحيح للهدف.
البصيرة - كما عرّفها ومارسها الإمام الشهيد- هي أساس الاستشراف الصحيح للمستقبل كتطبيق عملي للبصيرة، والاستشراف - كما عّرفه ومارسه الإمام الشهيد - هو الذي يصنع القيادة الاستباقية، بسماتها الإيجابية: صناعة القرار الحكيم واتخاذ الموقف الرشيد، والقدرة على استشعار المشكلات والأزمات قبل حدوثها لتجنبها وتجاوزها بأقل التكلفة، والاستعداد للتعامل مع السيناريوهات البديلة والتكيف مع التحوّلات الجديدة، والانتقال من إدارة الحاضر بردات الفعل إلى صناعة المستقبل بتخيط الفعل... و هي سمات النجاح في العملية القيادية المعتمدة على البصيرة والاستشراف كما حددها الإمام الشهيد بقوله: " إنَّ معيار النجاح لا يُختزل في ردود الفعل الآنية، بل في القدرة على الحفاظ على الثوابت على المدى الطويل، هذا المنطق هو جوهر العملية القيادية، عدم الانجرار وراء الاستفزازات والتركيز على الهدف النهائي والبناء التدريجي للقوة".
البصيرة والاستشراف كانا السلاح الفكري الذي وظّفه الإمام الشهيد في بناء إيران الحديثة ووضع الرؤى والخطط للبناء وتجاوز التحديات الخارجية والداخلية، فوجّه الثورة والجمهورية إلى امتلاك مفاتيح القوة وأسباب القدرة ومداخل الردع... لاستشرافه حتمية المواجهة مع الاستكبار الغربي العالمي بزعامة أميركا وامتداده في قلب الأمة الكيان الصهيوني، ولكن أهم ما استشرفه الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي هو زوال "إسرائيل" عندما قال قبل عقد من الزمان "إنَّ الخط البياني الانحداري باتجاه زوال العدو الصهيوني قد بدأ وسوف لن يتوقف، والجهود الرامية للحفاظ على "إسرائيل" لن تكون مجدية، لن تشهدوا أنتم الصهاينة الأعوام الـ (25) القادمة، ولن يكون هناك بفضل الله وتوفيقه شيء يُدعى الكيان الصهيوني في المنطقة"، ولكنه جعل ذلك مرتبطاً بـ "شرط الكفاح الشامل والموّحد ضد إسرائيل".