مرسوم الانتخابات الفلسطينية يعيد فتح ملف الشرعية.. إصلاح للنظام أم إعادة إنتاجه؟

الساعة 05:16 م|11 يوليو 2026

فلسطين اليوم

أعاد المرسوم الرئاسي الذي أصدره رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، محددًا يوم 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 موعدًا لإجراء الانتخابات التشريعية، فتح أحد أكثر الملفات الفلسطينية حساسية، وهو ملف الشرعية السياسية ومستقبل النظام الفلسطيني، في وقت يعيش فيه الفلسطينيون حربًا متواصلة على قطاع غزة، وغيابًا للمجلس التشريعي، واستمرارًا للانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

ورغم تقديم الرئاسة الفلسطينية المرسوم باعتباره خطوة لترسيخ الديمقراطية واستكمال العملية الانتخابية، فقد أثار الإعلان تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت الانتخابات تمثل مدخلًا لإصلاح النظام السياسي واستعادة الحياة الديمقراطية، أم أنها محاولة لإعادة إنتاج الشرعية القائمة، في ظل حديث عن ضغوط أمريكية وأوروبية ورسائل إقليمية تتعلق بمستقبل القيادة الفلسطينية.

ضغوط خارجية وإعادة ترتيب المشهد

وبحسب معلومات من مصادر مطلعة، فإن تحديد موعد الانتخابات جاء بعد ضغوط أمريكية وأوروبية مورست على السلطة الفلسطينية للإعلان عن موعد الاستحقاق التشريعي، في إطار مساعٍ لإعادة ترتيب المشهد الفلسطيني وإنتاج شرعية جديدة لمؤسسات السلطة في مرحلة ما بعد الحرب على غزة.

وتشير المصادر ذاتها إلى أن هذه التحركات تزامنت مع رسائل إقليمية تتعلق بمستقبل الرئاسة الفلسطينية، من بينها طلب سعودي من الرئيس محمود عباس عدم الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، بما يعكس، وفق المصادر، أن ملف الانتخابات تجاوز كونه شأنًا فلسطينيًا داخليًا، ليصبح جزءًا من ترتيبات سياسية إقليمية ودولية تتصل بشكل القيادة الفلسطينية المقبلة ووظيفة السلطة في المرحلة القادمة.

إعادة إنتاج للشرعية لا إصلاح للنظام

يرى المحلل السياسي أحمد طناني أن المسار الذي بدأ بالانتخابات المحلية ويستكمل اليوم بالانتخابات التشريعية يمثل أحد أخطر الإجراءات السياسية المنفردة التي اتخذتها قيادة السلطة الفلسطينية منذ عقود.

وقال الطنانس: إن المشكلة لا تكمن في إجراء الانتخابات بحد ذاته، بل في السياق السياسي الذي تطرح فيه والوظيفة التي يراد لها أن تؤديها، محذرًا من أنها قد تقود إلى "تأبيد الانقسام، وإنتاج قيادة تستند إلى شرعية انتخابية لتسويق التنازلات السياسية المقبلة، مع حماية البنية السياسية القائمة".

ويضيف أن الانتخابات لا تحتاج إلى تزوير يوم الاقتراع إذا جرى مسبقًا تحديد من يشارك ومن يُستبعد، معتبرًا أن ما يجري أقرب إلى "هندسة مسبقة للنتائج" منه إلى منافسة ديمقراطية حقيقية.

وبحسب طناني، فإن هذا المسار لن يعيد بناء الوحدة الوطنية، بل سيعيد تشكيل النظام السياسي بما يسمح بتجديد القيادة أو إنتاج قيادة جديدة دون مراجعة حقيقية لوظيفة السلطة أو لمسارها السياسي، داعيًا قوى المعارضة إلى تشكيل "جبهة إنقاذ وطنية" تستعيد النظام السياسي بوصفه إطارًا لحركة التحرر الوطني، لا مجرد سلطة إدارية تبحث عن شرعية جديدة.

الانتخابات فرصة إذا توفرت ضمانات النزاهة

في المقابل، يرى رئيس قائمة "الحرية والكرامة" الدكتور أمجد شهاب أن الفلسطينيين بحاجة فعلية إلى الإصلاح، وأن هذا الإصلاح لا يمكن أن يتحقق دون انتخابات حقيقية تعيد الرقابة والمساءلة للمؤسسات الفلسطينية.

وقال شهاب: إن غياب المجلس التشريعي أدى إلى غياب الرقابة على إدارة المال العام والمؤسسات، في وقت تعيش فيه الساحة الفلسطينية أزمة سياسية وشرعية عميقة، بالتزامن مع استمرار الحرب على غزة.

ورغم انتقاده أداء السلطة، فإنه يعتبر أن المشاركة في الانتخابات أفضل من مقاطعتها، شريطة توفير بيئة سياسية وقانونية تضمن حرية الترشح والتصويت، وعدم تدخل الأجهزة الأمنية، ووجود رقابة مستقلة على العملية الانتخابية.

وكشف أن قائمته تعمل مع قوى أخرى على إعداد بيان مشترك يحدد الشروط الواجب توافرها لخوض الانتخابات، مؤكدًا أن الاقتراع قد يشكل فرصة لإعادة فرز التمثيل السياسي الفلسطيني إذا جرى بصورة نزيهة وحقيقية.

غزة.. العقدة الأكبر

وتبقى غزة التحدي الأبرز أمام أي استحقاق انتخابي، إذ يفترض أن تشمل الانتخابات الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة في بيئة تسمح بحرية الدعاية والاقتراع والرقابة.

غير أن استمرار الحرب يثير أسئلة جوهرية حول قدرة السلطة الفلسطينية على تنظيم الانتخابات في القطاع، وما إذا كان بالإمكان المضي في انتخابات لا تشمل غزة، وما الذي سيعنيه ذلك بالنسبة لشرعية المجلس التشريعي المقبل وتمثيله لجميع الفلسطينيين.

ويرى مراقبون أن استعادة الحياة البرلمانية هدف ملح، لكن نجاح أي انتخابات يبقى مرهونًا بتوافر بيئة سياسية نزيهة، وإنهاء الانقسام، وضمان مشاركة جميع مكونات الجغرافيا الفلسطينية.

استحقاق ديمقراطي أم ترتيب سياسي؟

لا يبدو المرسوم الرئاسي مجرد إعلان عن موعد انتخابي، بل بداية مرحلة سياسية ستختبر قدرة السلطة على إجراء انتخابات شاملة ومقنعة للفلسطينيين، وإثبات أنها تمثل مسارًا لإصلاح النظام السياسي، لا مجرد إعادة تدوير للشرعية داخل البنية القائمة.

وبين التحذير من "هندسة" العملية الانتخابية، والدعوة إلى استثمارها كفرصة للإصلاح، والحديث عن ضغوط خارجية تؤثر في مسارها، تبدو الأشهر المقبلة مرشحة لمزيد من الجدل السياسي، ليس فقط حول نتائج الانتخابات، وإنما حول معناها، ومن يقودها، ولصالح أي مشروع سياسي ستُجرى.

المصدر: "قدس برس".

 

 

كلمات دلالية