لم يحتج الوجدان العربي إلى قمة تُعقد، ولا إلى بيان رسمي يُصاغ بعناية، كي يتذكّر نفسه. كانت ركلة واحدة كافية؛ فما إن استقرت كرة حسام عبد المجيد في شباك أستراليا، حتى بدا أن منتخب مصر لم يتأهل وحده، بل عبرت معه إلى الفرح جماهير عربية ممتدة من المحيط إلى الخليج، كأن الحدود التي صنعتها السياسة عجزت، ولو لليلة واحدة، عن قطع ما وصلته الذاكرة والثقافة والانتماء.
ومن بين الركام، خرجت غزة لتمنح الانتصار المصري معناه الأعمق. تجمع أطفالها ونساؤها ورجالها أمام شاشات نُصبت بين الخيام والبيوت المدمرة، وهتفوا لمصر كما لو كانوا ينتزعون من قلب الموت حقًا صغيرًا في الحياة. لم يكونوا يهربون من مأساتهم إلى كرة القدم، بل يقاومون بها محاولة العدوان الصهيوني مصادرة قدرتهم على الفرح، ويعلنون أن شعبًا يستطيع أن يبتسم تحت القصف لا يزال عصيًا على الإلغاء.
ثم اكتملت الدائرة حين حمل حسام حسن العلم المصري والتحف العلم الفلسطيني في قلب الملعب، فردَّ لمشجعي مصر في غزة تحيتهم، وأعاد إليهم بعضًا من المحبة التي غمروا بها منتخب بلاده. وبعدها بأيام، نقل موقفه من بلاغة الصورة إلى صراحة الكلمة، وواجه العالم في مؤتمر صحفي دولي بازدواجية معاييره، مطالبًا إياه بعبارة لم تحتج إلى كثير من التنميق: "خلّوا الشعب الفلسطيني يعيش".
هكذا خرج المونديال من حدود الرياضة، وتحول إلى مرآة كشفت ما حاولت السياسة إخفاءه طويلًا: أن العروبة التي أعلن كثيرون موتها لا تزال حيّة في وجدان شعوبها؛ وأن مصر، رغم تراجع أدوارها وتقلب السياسات، تحتفظ بمكانة لا تشبه مكانة أي بلد آخر في الضمير العربي؛ وأن فلسطين ليست قضية تضامن عابر، بل البوصلة التي تختبر بها مصر معنى دورها، ويختبر بها العرب قدرتهم على أن يكونوا أمة لا مجرد دول متجاورة.
لم يكن التفاعل العربي الواسع مع المنتخب المصري مجاملة رياضية، ولا انفعالًا مؤقتًا تصنعه بطولة كبرى ثم يتبدد بانتهائها. كان استفتاءً وجدانيًا عفويًا على مكانة مصر، وعلى ما بقي لها في الذاكرة العربية من رصيد رمزي وحضاري وسياسي.
حين احتبست أنفاس العرب انتظارًا لركلة الترجيح الحاسمة، لم يكونوا يشجعون فريقًا شقيقًا فحسب؛ كانوا يشعرون، بوعي أو من دونه، أن في انتصار مصر شيئًا من انتصارهم، وأن صعودها يفتح نافذة أمل في زمن عربي مثقل بالحروب والانقسامات والانكسارات. ولذلك خرجت الأعلام المصرية في مدن عربية عديدة واختلطت بالأعلام الوطنية، من دون أن يشعر أحد بأنها غريبة عن المكان.
لكن غزة كانت المشهد الأكثر كثافة ودلالة. فقد تجمّع آلاف الفلسطينيين أمام شاشات وفّرت لها الكهرباء وسط ظروف الحصار والدمار، وظهر أطفال ملتفون بالأعلام المصرية يهتفون للمنتخب كما لو أن فوزه يخصهم مباشرة. ولم يعد السؤال: لماذا يشجع الفلسطينيون مصر؟ بل: ماذا تعني مصر لهم في هذه اللحظة؟
لقد رأوا في المنتخب أكثر من أحد عشر لاعبًا؛ رأوا مصر القريبة جغرافيًا، الحاضرة في الذاكرة، والقادرة ـ إذا أرادت ـ على أن تكون ظهرًا وسندًا وبوابة حياة. ولهذا كان احتفالهم بها رسالة محبة بقدر ما كان نداءً صامتًا إليها.
وعندما انتقلت صور غزة إلى الشارع المصري، ارتد المعنى إلى مصدره. اكتشف المصريون، من خلال عيون الفلسطينيين والعرب، أن بلدهم ما زال أكبر من أزماته، وأن صورته في الوجدان العربي لم تنكمش بقدر ما انكمش دوره السياسي. أعاد العرب إلى المصريين تذكيرهم بحجم مصر الحقيقي، وبأن وراء حدودها شعوبًا تنتظر منها ما يتناسب مع هذا الحجم.
لكن هذه المحبة ليست صكًا مجانيًا ولا تفويضًا أبديًا. فالعرب لم يهتفوا لمصر لأنها قامت بكل ما عليها، بل لأنهم ما زالوا يرون فيها البلد القادر على أن يفعل. المحبة هنا ليست مديحًا فقط؛ إنها مطالبة، وليست حنينًا إلى زمن مضى بقدر ما هي انتظار لدور يمكن أن يعود في صورة جديدة.
حين حمل حسام حسن علم مصر والتحف علم فلسطين، اختصر العلاقة بين البلدين في صورة أبلغ من خطب كثيرة. لم يزاحم العلم الفلسطيني العلم المصري، ولم ينتقص من مصرية الانتصار، بل وسّع معناه ومنحه بعدًا أخلاقيًا وعربيًا وإنسانيًا.
فالذين سألوا: لماذا يُرفع علم فلسطين في لحظة انتصار مصري؟ أغفلوا أن الهوية المصرية لم تتشكل يومًا داخل جدران عازلة. إنها هوية تراكمت فيها طبقات مصرية قديمة وقبطية وإسلامية وعربية وأفريقية ومتوسطية، من دون أن تلغي إحداها الأخرى. وعروبة مصر ليست عبئًا مضافًا إلى مصريتها، وإنما أحد شروط اكتمالها ومصادر قوتها.
لقد فهم حسام حسن، بفطرته الوطنية، ما قد تعجز لغة السياسة عن التعبير عنه: أن فرحة مصر لا تضيق إذا اتسعت لفلسطين، بل تصبح أكثر وفاءً لذاتها؛ لأن فلسطين ليست شأنًا خارجيًا في الوعي المصري، ولا ملفًا دبلوماسيًا يُفتح ويُغلق وفق الظروف، وإنما قضية متصلة بالتاريخ والجغرافيا والأمن القومي والضمير الشعبي.
لذلك لم يكن حديثه في المؤتمر الصحفي خروجًا عن المناسبة، بل ارتقاءً بها. استخدم كرة القدم بوصفها إحدى أكثر أدوات القوة الناعمة انتشارًا، وحوّل منصة كان العالم ينتظر منها حديثًا عن الخطط والتشكيلات إلى منبر للدفاع عن شعب يتعرض للقتل والحصار والتجويع.
وعندما قارن بين وفرة الحديث في الغرب عن الحقوق والعدالة، وبين الصمت عن مقتل الأطفال والنساء والمدنيين الفلسطينيين، لم يكن ينتقص من أي حق؛ كان يفضح سقوط الإنسان الفلسطيني من تعريف إنسانية انتقائية، تمنح التعاطف وفق الهوية والمصلحة، وتصمت حين يكون الضحية فلسطينيًا والقاتل حليفًا غربيًا.
وجاءت قوة عبارة "خلّوا الشعب الفلسطيني يعيش" من بساطتها. لم يطلب امتيازًا للفلسطينيين، ولم يقدم مرافعة أيديولوجية معقدة؛ طالب بالحد الأدنى الذي ينبغي ألا يختلف عليه ضمير بشري: أن يُسمح لشعب كامل بأن يعيش. وحين تصبح المطالبة بالحياة موقفًا سياسيًا مثيرًا للجدل، يكون الخلل في العالم لا في صاحب المطالبة.
لم يُدخل حسام حسن السياسة إلى كرة القدم؛ فالسياسة لم تغادر الرياضة يومًا. إنها تحضر في اختيار الدول المضيفة، وفي الأعلام والشعارات، وفي قرارات المنع والسماح، وفي استثمار البطولات لتجميل صور الدول أو تثبيت نفوذها. ما فعله أنه كسر احتكار الأقوياء للرسالة السياسية، ومنح المظلومين بضع دقائق من الضوء أمام مئات الملايين.
ولهذا أثار موقفه غضب الإعلام الصهيوني، مثلما حظي باحتفاء فلسطيني وعربي واسع. فالمشكلة لم تكن في قطعة قماش رفعها مدرب منتخب، بل في أن العلم الفلسطيني ظهر في مساحة عالمية كبرى، مقرونًا بعلم مصر وصوتها ومكانتها، بعدما بذلت آلة العدوان جهدًا هائلًا لعزل الفلسطينيين وتحويل مأساتهم إلى خبر هامشي معتاد.
تكشف هذه اللحظة راهنية نظرية "الإقليم القاعدة" التي بلورها المفكر القومي نديم البيطار في دراسته لتجارب الانتقال التاريخي من التجزئة إلى الوحدة. فهذه التجارب لم تتقدم بالمشاعر المشتركة وحدها، وإنما احتاجت إلى إقليم يمتلك من الثقل السكاني والموقع الجغرافي والقدرة الاقتصادية والحضور الحضاري والقوة السياسية ما يؤهله ليكون قاعدة للمشروع الجامع.
وكانت مصر، بما تملكه من موقع وكتلة بشرية وجيش ومؤسسات وتاريخ وتأثير ثقافي، الإقليم العربي الأكثر تأهيلًا لأداء هذا الدور. ولم يكن تأثيرها في زمن صعودها نابعًا من القوة العسكرية وحدها، بل من السينما والأغنية والكتاب والصحافة والجامعة والأزهر، ومن قدرتها على إنتاج خطاب يرى فيه العربي نفسه، شريكًا في مشروعها لا تابعًا لها.
لكن "الإقليم القاعدة" لا يعني الهيمنة أو مصادرة إرادات الآخرين. فالقيادة ليست امتيازًا ولا لقبًا تاريخيًا يُستدعى عند الحاجة، بل وظيفة ومسؤولية وكلفة. ولا تصبح الدولة قائدة لأنها تقول عن نفسها ذلك، وإنما حين يشعر محيطها بأن قوتها تحميه، وأن صعودها يضيف إلى قدرته، وأنها تبذل من أجل المصالح المشتركة بقدر ما تنتظر الاعتراف بمكانتها.
بهذا المعنى، لم يكن الاحتفاء العربي بالمنتخب مجرد استعادة للماضي، بل كشفًا عن أن المجال العربي لا يزال مهيأً وجدانيًا لعودة مصر إلى دورها. فالرصيد موجود، والثقة الشعبية لم تُستنزف، وما ينقص هو تحويل المكانة الرمزية إلى سياسة، والمحبة إلى شراكة، والحنين إلى مشروع.
وهذا هو جوهر رؤية جمال حمدان لعبقرية المكان المصري. فمصر، في تصوره، لا تستطيع الانكفاء داخل حدودها من دون أن تخسر جانبًا من قوتها ووظيفتها التاريخية. وقد لخّص المعادلة بقوله إن "لا كيان لمصر بغير العرب، وهي بالعرب قوة"، وإن مصير مصر عربي من الناحية السياسية، مثلما أن مصير العرب مصري من الناحية الحضارية.
لم تكن العروبة عند حمدان شعارًا عاطفيًا، بل ضرورة جغرافية واستراتيجية. فمصر حين تنفتح على محيطها تكتسب فائض قوة يتجاوز مواردها المباشرة، وحين تنكفئ تفقد مجالها الحيوي، وتتحول من مركز مؤثر إلى دولة تحاصرها الضغوط والمخاطر من حدودها المختلفة.
أما فلسطين، فكانت في رؤيته جوهرًا ومحورًا للسياسة المصرية، لا لأن المصريين مطالبون بالتضامن الأخلاقي معها فحسب، بل لأن الجغرافيا جعلت مصير البلدين متداخلًا. فما يحدث في فلسطين لا يتوقف عند رفح؛ وأي تغيير في بنيتها السكانية أو السياسية أو الأمنية يصل أثره إلى سيناء ووادي النيل، ويمتد إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط وقناة السويس.
وقد أدرك جمال عبد الناصر هذه الحقيقة، فارتبط مصيره السياسي بمصير القضية الفلسطينية، ورفض حتى وفاته المساومة عليها. لم يكن ذلك تفضلًا من مصر على الفلسطينيين، وإنما وعيًا بأن الدفاع عن فلسطين دفاع عن مصر نفسها، وأن المشروع الصهيوني لا يستهدف شعبًا بعينه، بل يسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة على قاعدة التفوق الصهيوني والتفتيت العربي.
من هنا تكتسب صورة حسام حسن معناها الأبعد. لم يكن الرجل يستعيد مشهدًا من زمن مضى، بل يعلن، بلغته العفوية، أن الرابط بين مصر وفلسطين ما زال حيًا تحت ركام السياسات، وأن الوجدان الشعبي المصري لم يقبل يومًا تحويل فلسطين إلى قضية أجنبية.
قد تُنسى نتائج المباريات، لكن بعض الصور تبقى لأنها تختصر ما تعجز الخطب الطويلة عن قوله. وستبقى صورة مدرب مصر حاملًا علم بلاده وملتحفًا بعلم فلسطين؛ لأنها لم تجمع بين علمين فقط، بل أعادت تعريف معنى مصر ودورها.
لقد قال العرب، وهم يهتفون للمنتخب، إنهم ما زالوا يريدون مصر قوية وحاضرة وقائدة. وقال الفلسطينيون، وهم يخرجون من خيامهم وبين أنقاض بيوتهم لمتابعة مبارياتها، إن مصر ليست بلدًا مجاورًا، بل جزء من أملهم في النجاة. وقال حسام حسن إن مصر التي ينتظرها العرب لا تخجل من عروبتها، ولا ترى فلسطين عبئًا عليها، بل امتحانًا لمكانتها وضميرها وأمنها.
خرجت مصر من المونديال، لكن المونديال أعادها، ولو للحظة، إلى مكانها الصحيح: في قلب العرب، وفلسطين في قلبها. ويبقى السؤال الذي لا ينبغي أن تبتلعه ضوضاء الكرة: هل تلتقط القيادة السياسية المصرية هذه الرسالة، فتترجم رصيد المحبة العربية إلى استعادة للدور، ومركزية فلسطين إلى سياسة تليق بالجغرافيا والتاريخ؛ أم تترك اللحظة تمضي، ويظل العرب ينتظرون مصر التي يعرفون أنها قادرة على العودة؟