ذكرت صحيفة "هآرتس" العبرية، في تحليل للكاتبة ليزا روزوفسكي، أن "مجلس السلام" المكلف بقيادة إعادة إعمار قطاع غزة وصل في الأسابيع الأخيرة إلى مفترق طرق حرج، إذ بات أمام ثلاثة خيارات فقط: إقامة مخيمات للنازحين في مساحة ضيقة للغاية قرب مدينة رفح دون التوصل إلى تفاهمات مع حركة حماس؛ أو الانتظار حتى توافق الحركة على مسار تدريجي لنزع سلاحها؛ أو إدخال لجنة تكنوقراط لإدارة القطاع استنادًا إلى تفاهمات جزئية مع حماس.
وبحسب الصحيفة، فإن عدم إحراز أي تقدم فوري في أحد هذه المسارات الثلاثة يعني أن غالبية سكان القطاع سيواجهون شتاءً رابعًا على التوالي داخل خيام مغمورة بالمياه، دون أدنى مقومات الصرف الصحي، وفي ظل تعرضهم لهجمات متكررة من جيش الاحتلال الإسرائيلي.
وأشارت روزوفسكي إلى أن العائق المشترك أمام جميع هذه المسارات هو حكومة الاحتلال نفسها، التي لا تسمح حاليًا بالتقدم في أي منها.
ووفق الصحيفة، فإن التقارير الأخيرة التي تحدثت عن تخلي إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن شرط نزع سلاح حماس كشرط لإعادة إعمار غزة، لا تزيد من احتمال موافقة رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المنشغل بحملة انتخابية، على أي خطوة قد تُصوَّر في خطاباته على أنها "استسلام".
ومع ذلك، لفتت الكاتبة إلى أن "مجلس السلام" لا يستطيع تحمّل الاعتراف بالفشل، وهو حريص على تقديم ولو إنجاز جزئي للبيت الأبيض.
وبحسب مصادر تحدثت لهآرتس، فإن آري لايتستون، ممثل الإدارة الأميركية لشؤون غزة والمستشار الكبير للمجلس، بعث قبل نحو أسبوعين برسالة إلى نتنياهو تتضمن سلسلة مطالب من شأنها السماح بتحقيق أي تقدم في القطاع، وهي رسالة سبق أن كشف عنها الصحفيان روعي كايس وإليئور ليفي في القناة 11.
ووفق مصادر الصحيفة، تتضمن الرسالة مطالب بتقديم تسهيلات إنسانية إسرائيلية، من بينها السماح بإدخال منشآت متنقلة، وزيادة حجم المساعدات الداخلة، وإدخال مواد تصنّفها "إسرائيل" على أنها "ذات استخدام مزدوج" كالوقود والألواح الشمسية والمعدات الطبية.
كما تشمل المطالب السماح بدخول قوة الاستقرار الدولية ولجنة التكنوقراط إلى منطقة في رفح، إذ من المقرر إقامة مخيم للنازحين ضمن ما يُعرف داخل المجلس بخطة "التجربة الأولى"، وهي خطة تقوم على تحقيق تقدم جزئي في القطاع دون التوصل إلى تفاهمات مع حماس.
وذكرت "هآرتس" أنها كانت قد نشرت في مايو/أيار الماضي أن "مجلس السلام" يستعد للمضي في تنفيذ خطة ترامب المكوّنة من عشرين بندًا، استنادًا إلى البند الذي ينص على أنه في حال عرقلة حماس للخطة، يمكن تنفيذها بشكل جزئي في المناطق "الخالية من الإرهاب" بحسب التوصيف الإسرائيلي.
وأفادت الصحيفة بأن أعضاء ومستشاري المجلس، إضافة إلى أعضاء اللجنة التكنوقراطية، عقدوا الأسبوع الماضي في قبرص مباحثات مفصّلة حول هذا المسار، بمشاركة لايتستون والمستشار الأميركي جوش غرونباوم، ونيكولاي ميلادينوف، ومستشار جاريد كوشنر، ليران تانكمان، وممثلين عن مؤسسة توني بلير.
وبحسب روزوفسكي، لم يتم التوصل في هذا الاجتماع إلى قرار تنفيذي بشأن المضي في خطة "التجربة الأولى" دون موافقة حماس، إذ لا يزال القرار النهائي معلقًا بسبب غياب الموافقة الإسرائيلية، ونقص التمويل المتاح، فضلًا عن رغبة بعض الأطراف في منح فرصة إضافية لتحقيق اختراق في المفاوضات مع حماس.
وأشارت الصحيفة إلى وجود خلافات داخل المجلس ومحيطه، بين من يدفع باتجاه التنفيذ السريع لإقامة "الملاجئ الإنسانية" في رفح، ومن يحذّر من أن أي تقدم جزئي دون موافقة حماس قد يهدد المفاوضات الجارية بشأن السلاح.
ونقلت "هآرتس" عن مصدر مطلع تحذيره من إقامة منطقة إنسانية جديدة دون استخلاص العبر من التجربة السابقة المرتبطة بـ"المؤسسة الإنسانية لغزة" (GHF) في رفح، والتي أودت بحياة مئات الأشخاص.
وقال المصدر للصحيفة إن مجلس السلام "لم يحقق شيئاً خلال نصف عام"، وإن التوجه نحو هذه الخطة البديلة "لن يجدي هو الآخر"، مضيفًا أن "بناء مخيم جديد للنازحين ليس ما سيحل مشكلات غزة".
وبحسب تفاصيل الخطة كما نقلتها "هآرتس"، من المفترض أن ينسحب جيش الاحتلال مسافة بضع مئات من الأمتار عند "الخط الأصفر" في رفح لإنشاء "جيب" يدخله عدة مئات من جنود قوة الاستقرار الدولية، ويبلغ عددهم حاليًا نحو 500 جندي مغربي، بعد أن تراجعت إندونيسيا عن التزامها السابق بإرسال قوات.
وبحسب الخطة، سيتولى هؤلاء الجنود، وربما عناصر شرطة تابعون للجنة التكنوقراط، تأمين حدود المنطقة المعزولة، فيما يتمركز جنود الجيش الإسرائيلي على الجانب الآخر.
وأكد مصدر في المجلس للصحيفة أن "الأمر لن يكون أشبه بسجن، وأن السكان سيتمكنون من الدخول والخروج"، رغم أن آلية تحديد هوية الداخلين والخارجين لم تُحسم بعد.
لكن الصحيفة شددت على أن قدرة "إسرائيل" على عرقلة الخطة، أو تأخيرها على الأقل، تبقى قائمة، إذ إنه دون موافقة جيش الاحتلال المسيطر ميدانيًا على المنطقة، لا يمكن لأي قوة الدخول إليها.
كما أن "إسرائيل" لم توقّع بعد اتفاقية "مركز القوات" (SOFA) مع قوة الاستقرار الدولية، وهي وثيقة ضرورية لنشر أي قوة دولية ميدانيًا.
وأوضح مصدر رسمي في المجلس لـ"هآرتس"، أن الجنود المغاربة لم يصلوا بعد إلى المنطقة، وينتظرون موافقات لتنفيذ الخطة، رغم أن المجلس نشر صورًا لتفريغ مركبات مدرعة قرب معبر كرم أبو سالم.
في المقابل، أبدى مصدر آخر في المجلس تفاؤلًا بأن توقّع "إسرائيل" الاتفاق خلال أسبوعين، بما يسمح بدخول القوة إلى رفح ولاحقًا دخول لجنة التكنوقراط.
وفي السياق ذاته، أفادت هآرتس بأن الدول الوسيطة وبعض الأطراف داخل "مجلس السلام" تُبدي تفاؤلًا حيال إمكانية التوصل إلى تفاهمات مع حماس في المدى القريب، مع احتمال بدء جولة جديدة من المحادثات هذا الأسبوع بين الوسطاء وفريق تفاوض الحركة.
وبحسب الصحيفة، تشير مصر، التي تقود عملية الوساطة، إلى قدرتها على إقناع حماس بالموافقة على مسار تدريجي لنزع السلاح، فيما أكدت مصادر عدة تحدثت لـ "هآرتس" أن موقف الحركة شهد مرونة متزايدة في الأسابيع الأخيرة.
وذكر مصدر مطلع أن حماس والوسطاء توصلوا إلى تفاهمات حول 13 من أصل 15 بندًا في مسودة عُرضت على الحركة في أبريل/نيسان الماضي، لا تزال قيد النقاش والتعديل منذ ذلك الحين.
وبحسب "هآرتس"، يبقى بندان أساسيان محل خلاف: الأول يتعلق بنزع السلاح، والثاني بإدماج الموظفين وعناصر الشرطة الذين عملوا في القطاع في الإدارة الجديدة للقطاع، وتعويض من لن يتم توظيفهم منهم.
وأوضحت الصحيفة أن هذا البند يحظى بأهمية خاصة لدى حماس. أما بخصوص بند نزع السلاح، فأشارت الصحيفة إلى أن المعضلة الأساسية تكمن في ربط حماس نزع سلاحها بالحصول على التزام بمسار نحو إقامة دولة فلسطينية، وهو مطلب من المتوقع أن ترفضه "إسرائيل"، رغم أن "الأفق السياسي" مذكور صراحة في خطة ترامب ذات العشرين بندًا.
وخلصت الكاتبة ليزا روزوفسكي في تحليلها إلى أن هذا هو السبب الذي يجعل احتمال حدوث تطور إيجابي قريب في غزة مستبعدًا، وأن أي مقترح للتقدم مرشح للغرق في دوامة من الرفض المتبادل، في ظل استمرار الحكومة الإسرائيلية في سياسة الاغتيالات التي تودي بحياة أبرياء، وتصريحاتها المتكررة حول السيطرة على مناطق في القطاع، وهو ما يوحي، بحسب الكاتبة، برغبة إسرائيلية في إبقاء الحرب في غزة "على نار هادئة" دون الوصول إلى حل دائم.
وبحسب التحليل، تبقى فرص تحقيق اختراق في غزة ضئيلة، على الأقل حتى موعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر/تشرين الأول المقبل.