يتجاوز عمق التداخل العربي–الإيراني مجرّد الجوار الجغرافي أو التنافس السياسي، لأنه تداخل متعدّد الطبقات ابتدأ بالتلاقح الجغرافي، حيث يشترك العرب وإيران في الخليج (العربي/الفارسي) وخليج عُمان وبحر العرب يفصل بينهما ممرّ مائي ضيّق في مضيق هرمز، ما جعل التواصل الإنساني مستمراً منذ آلاف السنين، خاصة عبر الرئة العراقية التي كانت تاريخياً منطقة التماس الرئيسية في التلاقح الحضاري منذ ما قبل الإسلام حيث تعايشت الحضارتان العربية والفارسية عبر التجارة والحروب.
بعد الفتح العربي الإسلامي احتلّت إيران قلب الحضارة الإسلامية، وأسهم الإيرانيون إسهاماً كبيراً في العلوم واللغة والأدب والفقه والفلسفة، حيث انحدر معظم علماء الحضارة الإسلامية من أصول فارسية لكنهم ألّفوا بالعربية، التي كانت لغة العلم آنذاك، على الرغم من أنّ الإسلام الذي كان وما زال الجامع الأبرز سبق أن انطلق من الجزيرة العربية، لكنه ازدهر في الأطراف وخاصة في إيران، وقد تعزّز التلاقح الديني الإيراني العربي عبر المقدّسات الإسلامية في مكة والمدينة والقدس، وأيضاً عبر المزارات الشيعية في النجف وكربلاء ومشهد، ما شكّل فرصة دائمة في تعميق التواصل الإنساني بخصوصيته الدينية.
تفاعلت إيران مع القضايا العربية بعد الثورة الإسلامية في إيران، من زاوية التضامن الديني ومواجهة التحدّيات المشتركة، خاصة القضية الفلسطينية في مظلوميّتها التاريخية، وتشابكها مع الإرث الأميركي الثقيل في إيران قبل انتصار الثورة، ورعاية الأميركي للاحتلال الإسرائيلي، وما تبع ذلك من حصار أميركي متصاعد ضد إيران منذ 47 عاماً.
جاء العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، وما تمخّض عنه من اغتيال لقائدها التاريخي وما يمثّله في مرجعيته الدينية العابرة للحدود خاصة باتجاه العمق العربي، وتماسه مع القضية الفلسطينية التي حظيت باهتمام شخصي من السيد الشهيد علي خامنئي، على الرغم من التباين المذهبي الذي شكّل مادة دسمة للتفريق، إلّا أنّ الامتداد الشيعي في العراق ولبنان واليمن ودول الخليج، ساعد إيران في مشروعها الاستراتيجي بالانفتاح على القضايا العربية في مواجهة الهيمنة الأميركية.
طرحت مناسبة التشييع الإيراني المهيب للسيد الإمام علي خامنئي، سؤالاً في سياق التطوّرات الراهنة ضمن المسار التاريخي والديني، حول المشاركة العربية في أهمّ حدث إيراني منذ رحيل مفجّر الثورة الإسلامية الإمام الخميني، حيث شاركت كثير من الدول العربية في التشييع الإيراني المهيب للسيد الإمام علي خامنئي.
شملت المشاركة العربية في التشييع المهيب أهمّ دول الجوار الإيراني في الخليج وخاصة السعودية وقطر وعمان، إضافة إلى العراق التي ستحتضن مراقدها المقدّسة تشييعاً خاصاً للسيد الشهيد، وقد شاركت عبر عدة وفود رسمية وشعبية وحزبية، والأهم مشاركة وفود قوى المحور في فلسطين واليمن، فيما شارك لبنان بوفد عن المقاومة وآخر عن النظام، كما شاركت أكبر دولة عربية وهي مصر بوفد رسمي.
خصوصية الحضور العربي في التشييع المهيب
كرّس الحضور العربي اللافت، وإن لم يكن عبر زعماء الدول، قيمة خاصة على أكثر من صعيد، وأهمها:
أولاً: أرسى حضور قوى المقاومة في فلسطين واليمن ولبنان والعراق، قيمة معنوية وناتج قوة استراتيجياً للحرب الدائرة بمشاركة هذه القوى منذ أكتوبر 2023، وإن جاءت هذه المشاركة بغياب ممثّلي السلطة الفلسطينية والمجلس الحاكم في عدن، فهذا يؤكّد مستوى ارتهانها في غيابها في ظلّ حضور الجهاد الإسلامي وحماس وأنصار الله، وهي الوفود التي تمّ الاحتفاء بها يتقدّمها وفد حزب الله، فيما طرح الحضور الرسمي اللبناني سؤالاً كبيراً، في وقت شطح فيه نظام لبنان رئاسة وحكومة خلف تيه التطبيع والتفريط مع الكيان الإسرائيلي، خاصة مع وضوح البند الأول في تفاهمات إسلام آباد باعتبار جبهة لبنان ضمن جبهات الحرب الواجب شمولها للتهدئة، وهو ما أكّده وزير الخارجية عراقتشي خلال استقبال وفد حزب الله.
ثانياً: كثّف حضور قوى المقاومة البارز في التشييع، وهي جميعها قوى عربية، من دون أن تتعرض للاستهداف كما حصل سابقاً مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، مستوى الأهداف التي حقّقها الصمود الإيراني وعمق تضامن قوى المحور، كما عكس حزمة من الدلالات السياسية في قوة علاقة إيران بجبهاتها ومدى صلابة هذه الجبهات بعد ألف يوم على الحرب، إضافة إلى الوعي الإيراني بالتعامل مع هذه الجبهات في تنوّعها الحزبي والجغرافي، فالجهاد الإسلامي حضر ضمن وفد خاصّ، وحماس كانت في وفدها الخاصّ، والحال كذلك مع أنصار الله وحزب الله، ولم يمنع هذا التنوّع في الدائرة ذاتها قدرة منظّمي التشييع على تنظيم الحضور والدخول واختيار الآيات القرآنية ترحيباً بكلّ وفد سواء تعلّق بالوفود الحزبية والشعبية أو الرسمية.
ثالثاً: عبّرت المشاركة الخليجية وخاصة السعودية وقطر، عن مدى عمق الجغرافيا في الأخاديد السياسية، فهذه الدول التي تحتضن القواعد الأميركية التي انطلق منها العدوان على إيران ليقتل مرشدها الأعلى السيد خامنئي، وقد اضطرت إيران أن تردّ على قصف هذه القواعد بالقصف طوال 40 يوماً، وما زال جو القصف المتبادل قائماً ومحتملاً.
ولكن هذه الدول الخليجية آثرت الحضور، ولكلّ دولة أسبابها، فالسعودية دولة وازنة على عدة صعد خاصة الديني منها، فهي تحتضن شعيرة الحج الإسلامية، وحساباتها السياسية تختلف عن الإمارات التي تصهينت رسمياً، والبحرين التي تعادي إيران طوال الوقت، وقطعت شوطاً في التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، وهي بالأساس ترزح تحت احتلال قوات درع الجزيرة السعودية، لكنّ السعودية اختارت أن تحافظ على هيبة نفوذها الإقليمي والديني، ولم تأمر أتباعها في اليمن والبحرين والكويت وفلسطين الحضور، باعتبار أنّ إيران حاضرة في هذه الدول عبر حلفائها في قوى المقاومة وبعض قوى المعارضة.
أما قطر فهي توازن في علاقاتها نسبياً، لذا هي تنفتح بعلاقاتها مع قوى النقيض في كلّ دولة، وعلاقاتها الخاصة مع إيران تعبير عن الدور الذي تؤدّيه في الفضاء الأميركي، أمّا عمان فقد حافظت طوال الوقت على علاقة ثابتة مع إيران وهي شريك إيجابي مع إيران في الإدارة الجديدة لمضيق هرمز، وحضورها طبيعي في هذا السياق، وهي بالأساس لا تحتفظ بقواعد عسكرية أميركية دائمة، إنما حركة لوجستية داعمة للوجود الأميركي في بحر عمان.
رابعاً: تجاوز الحضور العربي والإسلامي والدولي الواسع سواء المقاوم أو الرسمي، فيتو الضغط الأميركي، وهو ضغط مارسه سفراء أميركا في كلّ الدول المدعوة، في محاولة بائسة لعزل إيران وهي تشيّع قائدها التاريخي الذي قضى بالقصف الأميركي الإسرائيلي، ولعلّ انكشاف دائرة الغائبين، وهم في غالبهم مجرّد أتباع لا يملكون من أمرهم شيئاً، وضع للأنياب الأميركية حداً بعد أن تهشّمت بفعل الصواريخ الإيرانية.
خامساً: تناغم الحضور المصري، باعتبارها الدولة العربية الكبرى، مع الحضور السعودي والتركي والباكستاني اللافت، ما كفل لمصر فضاءها السياسي والإقليمي بعيداً عن الخضوع للإملاء الأميركي بهذا الخصوص، وحفظ لها مكانتها في مصاف الدول الإقليمية الفاعلة، على الرغم من كونها تتحرّك عادة في الفلك الأميركي، ولكن ذلك لم يمنعها أسوة ببقية الدول الإقليمية الكبرى من أن تتجاوز الرغبة الأميركية الجامحة في محاولة عزل إيران.
تتكثّف مسارات الحضور العربي للتشييع الإيراني، لتكرّس معادلة الصعود الإيراني بعد فشل العدوان، وهي معادلة في عمق القضايا العربية التي تنزف تحت نير التسلّط الأميركي، وخاصة في الرعاية الأميركية للعدوان الإسرائيلي المتواصل ضدّ الشعب الفلسطيني وشعوب الجوار في لبنان وسوريا، وقد بات العربي يستشعر شاء أم أبى أنّ فشل العدوان على إيران خلق فجوة بين الأميركي ورعايته للإسرائيلي، ما يطلق فرصة ليقظة عربية تتنفّس عبر وحدة الجغرافيا والحضارة، وإن تطلّب منها أن تمرّ رويداً رويداً عبر شريانها القسري في مضيق هرمز.