شريط الأخبار

الحقد والجهل لا يصنعان التاريخ..علي عقلة عرسان

05:24 - 03 حزيران / أغسطس 2009

الحقد والجهل لا يصنعان التاريخ

علي عقلة عرسان

عرف اليهود عبر التاريخ بالكذب والغدر والجشع والتكالب على المال، وفي الدارج عبر معارف الشعوب يقال أكذب من يهودي، أو كذب يهود.. وقد أتقن يهود اليوم حرفتهم التاريخية وأضافوا عليها من معطيات العصر وتقنياته، فأصبح لأكاذيبهم غلاف معلوماتي مزين " بمرجعيات" مفبركة، يلح عليها إعلامهم لتصبح " حقائق"مستفيدين من دروس غوبلز، وزير إلام هتلر، الذي كرس المقولة: " اكذب، اكذب، اكذب.. حتى تصبح الأكاذيب حقائق.".. هكذا فعلوا في استثمار " المحرقة" وتضخيمها وحلبوا الألمان  وما يزالون، وحلبوا الغرب كله وما يزالون.. وهكذا فعلوا، ويفعلون اليوم في كل ما يتعلق بقضية فلسطين ومأساة شعبها وعدوانهم المستمر عليه وعلى أقطار عربية أخرى من قبل. ولتجديد الذاكرة الصهيونية وشحنها بالأكاذيب مواسم عدة في كل سنة.. وفي هذه الأيام موسم ضخم للكذب واستثماره وتعزيز الروح العنصرية العدوانية الصهيونية وتشويه التاريخ وصورة الآخرين. وينصب التشويه هذه الأيام على القدس والمسجد الأقصى وشخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ويأتي ذلك في إطار احتفالهم بالتاسع م آب حسب التقويم العبري، وهو التاريخ الذي يقولون إن نبوخذ نصر دمر فيه "هيكلهم" الأول في القدس، وسباهم منها إلى بابل في القرن السادس قبل الميلاد.. ولا ينسون الإشارة إلى القائد الروماني تيتوس الذي دمر "الهيكل الثاني".. وهم يقولون ذلك ليؤكدوا في هذا الموسم من مواسم الأكاذيب وإعادة شحن الذاكرة بها والبناء عليها،على أمرين:

 

1 ـ صلتهم التاريخية الأقدم بفلسطين والقدس، ومن ثم حقهم " التاريخي" في العودة إليها ولو بعد أكثر من ألفي عام. ولم يتأت لهم ذلك لولا تجديد الذاكرة.. أي تجديد شحنها موسمياً بالأكاذيب.

 

2 ـ حقهم في بناء الهيكل الثالث في موقع المسجد الأقصى المبارك وعلى أنقاضه. مع ما يرافق ذلك من ادعاءات وأكاذيب سجل هذا الموسم " إبداعاً" متفوقاً في مجالها يكسر الأرقام القياسية السابقة في هذا المجال لأستاذ من جامعة بر إيلان" يدعي المعرفة بتاريخ الإسلام هو مردخاي كيدار. 

 

في نقض البناء الأول ومجاوزتهم لحقائق التاريخ والوقائع التي تشير إلى أن فلسطين تاريخياً هي أرض العرب الكنعانيين الذين كانت لهم صلات وحروب مع فراعنة مصر من أشهرها مع رمسيس الثاني، وساكنهم فيها إبراهيم الخليل عليه السلام " 1750 ق.م تقريباً"، وتعلم لغتهم " شفة كنعان"، وهم الذين بنى الفخذ اليبوسي منهم القدس وحملت اسمه " يبوس" ـ وقد حملت القدس أسماء منها حسب التسلسل: يبوس، أورسالم أو أورشليم، إيلياء أو إلينا كابيتولينا، والقدس ـ وكان تأسيسها على يد اليوبوسيين عام 3400 قبل الميلاد وفي قول آخر 3200 قبل الميلاد، أي قبل مجيء موسى عليه السلام باليهودية بـما يقرب من ألفي سنة، وقبل دخول يشوع إلى فلسطين محارباً أهلها الأصليين "العرب الكنعانيين والأموريين" بأكثر من ألف ومئة من السنين قبل ميلاد السيد المسيح. وأسوق هنا مقتطفات مقتضبة مما سجلوه هم في التوراة التي صنعوها وتضمنت ما يرجعون إليه بوصفه "تاريخاً" أضفوا عليه صفة "القداسة" من وجهة نظرهم!؟ وفي بعض الأسفار التي ضمها العهد العتيق.. لكي أشير إلى معطيات تؤكد أن فلسطين تاريخياً هي أرض العرب الكنعانيين الذين لم يخرجوا منها طوال تاريخهم وما زال فيها منهم من يدافع عنها، وما زال منهم أيضاً من شرده الصهاينة منها بالإرهاب والمذابح وما زال يتعلق بها ويناضل من أجل العودة إليها..

 

ومما جاء من أقوالهم المسجلة في التوراة والأسفار، التي تشير إلى ذلك: 

 

ـ ".. ثم وردت بكم أرض الأموريين الساكنين في عبر الأردن فحاربوكم فسلمتهم إلى أيديكم وملكتم أرضهم ومحوتُهم من قدامكم.". العهد العتيق ـ سفر يشوع ـ الفصل الرابع عشر ـ صـ 402

 

ـ ".. ثم جزتم الأردن ووافيتم أريحا فحاربكم أهل أريحا والأموريون والفَرزيون والكنعانيون والحثيون والجِرجاشيون والحُويون واليبوسيون فأسلمتهم إلى أيديكم..". العهد العتيق ـ سفر يشوع ـ الفصل الرابع والعشرون صـ 402

 

ـ  ".. فأرسل أدونيصادق ملك أورشليم إلى هوهام ملك حبرون وفرآم ملك يّرْمُوت ويافيع ملك لاكيش ودَبِير ملك عجلون قائلاً ( 4 ) هلموا ناصروني فنضرب جِبعون لأنها قد سالمت يشوع وبني إسرائيل ( 5 ) فأجمع ملوك الأموريين الخمسة ملك أورشليم وملك حبرون وملك يرموت وملك لاكيش وملك عجلون وصعدوا بجميع جيوشهم ونزلوا على جبعون وحاربوها ./ العهد العتيق ـ سفر يشوع ـ الفصل العاشر صـ 376 ـ المطبعة الكاثوليكية ـ بيروت 23 ـ Maji  ـ 1960 م

 

ـ ".. وأعطيتكم أرضاً لم تتعبوا فيها ومدناً لم تبنوها فأقمتم بها وكروماً وزيتوناً لم تغرسوها وأنتم تأكلونها فاتقوا الرب واعبدوه بكمال وإخلاص وانزعوا الآلهة التي عبدها آباؤكم في عِبرِ النهر وفي مصر واعبدوا الرب.". العهد العتيق ـ سفر يشوع ـ صـ 402

 

ـ "..ولم يطردوا الكنعانيين المقيمين بجازر فأقام الكنعانيون بين أفراييم إلى هذا اليوم.". ـ العهد العتيق ـ سفر يشوع ـ الفصل السادس عشر صـ 388

 

ـ "..وأما اليبوسيون سكان أورشليم فلم يقدر بنو يهوذا على طردهم فأقام اليبوسيون مع بني يهوذا في أورشليم إلى هذا اليوم.". / العهد العتيق ـ سفر يشوع ـ الفصل الخامس عشر ـ صـ 387ـ 388

 

ـ فكلموهم في شيلو في أرض كنعان قائلين الرب قد أمر على لسان موسى بأن نعطى مدناً للسكنى مع محاجرها لبهائمنا.". / العهد العتيق ـ سفر يشوع ـ الفصل الحادي والعشرون ـ صـ 395

 

ـ ".. وكان داود ابن ثلاثين سنة يوم ملك وملك أربعين سنة ملَك بحبرون على يهوذا سبع سنين وستة أشهر وملك بأورشليم ثلاثاً وثلاثين سنة على جميع إسرائيل ويهوذا وسار الملك ورجاله إلى أورشليم إلى اليبوسيين سكان الأرض فكلموا داود وقالوا إنك لا تدخل إلى هنا حتى لا تبقي منا أعمى ولا مقعداً أي لا يدخل داود إلى هنا فأخذ داود حصن صِهيون..". / العهد العتيق ـ سفر الملوك الثاني ـ صـ 526

 

ـ وأثار الرب على يورام روح الفلسطينيين والعرب الذين بقرب الكُوشيين فصعدوا إلى يهوذا وفتحوها وانتهبوا كل ما وجد من المال في بيت الملك وسبوا بنيه ونساءه فلم يبق له ابن إلا يوآحاز أصغر بنيه.". ـ  العهد العتيق ـ سفر أخبار الأيام الثاني ـ صـ 753

 

هذه بعض الإشارات مما ذكروه في كتبهم ووفق رؤاهم، مما يثبت أن فلسطيني تاريخياً هي لأهلها العرب القدامى الذين أطوها هويتها وبنوها ودافعوا عنها ولم يخرجوا منها، وما زالوا متعلقين بها يمهرونها الدم ويقدمون على مذبح أصالتها التضحيات.. وستكون لهم.

 

أما نقض البناء الثاني المتعلق بالقدس والأقصى، وما يدعون من حق لهم في بناء الهيكل الثالث في موقع المسجد الأقصى المبارك وعلى أنقاضه،  وما جاء من افتراءات كثيرة في هذا الصدد ومحاولات تشوه كان آخرها في هذا لموسم اليهودي ما جاء على لسان مردخاي كيدار:

 

".. المسجد الأقصى المذكور في القرآن هو مسجد صغير يقع في شبه الجزيرة العربية، وتحديدا في الطريق بين مكة والطائف، وقد اعتاد (النبي) محمد كلما خرج إلى الطائف أن يقضى ليلته في قرية (الجعرانة)، ويصلى في أحد مسجدين بهذه القرية، الأول هو (المسجد الأدنى)، والثاني هو (المسجد الأقصى).

 

لقد قام الفقهاء المسلمون بفبركة مجموعة من القصص والأحاديث عن مكانة القدس في الإسلام، وجعلوا من القدس ثالث الحرمين الشريفين بعد مكة والمدينة.. وأن واقعة الإسراء والمعراج حدثت في مسجد الأقصى بالجعرانة.. وأن المسلمين لم يستأنفوا علاقتهم بالقدس إلا بعد وقوع (فتنة عثمان) عام ٦٥٢.." إلخ!؟. ليس غريباً على يهودي أن يكذب، بل الغريب هو أن يصدق.. وذلك تاريخ يؤكده تقليب التاريخ.. ولا يخرج عن هذا ما يورده أستاذ جامعة "بر عيلان". لقد تعلق المسلمون بالقدس، والعرب الكنعانيون والآموريون وغيرهم من سكان فلسطين الذين دخلوا في الإسلام هم حملة تاريخها وبناتها، أما التعلق الإسلامي الروحي بالقدس فذكَره القرآن ورسَّخه النبي محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام في المعراج والقبلة الأولى، وفي أحاديث قدسية، ومكانة للقدس في نفوس المسلمين شدد عليها كثيراً. ولم تكن أول صلة للمسلمين بالقدس بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام إلا بعد فتنة عثمان كما كذب أستاذ "بر يلان"، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه هو الذي تسلم مفاتيح القدس من المطران صفرونيوس عند فتحها، وهو الذي أمر ببناء مسجد في مكان رفع منه التراب والقمامة بثوبه، وهو الذي وقع العهدة العمرية وأعطاها مكانة وتاريخاً وحضوراً تاريخياً وحضارياً، وقد كان ذلك في العام الخامس عشر للهجرة، وقد حددت علاقة المسلمين بالمسيحيين الذين رفضوا أن يقيم في القدس مع أهلها يهودي، ولم يكن شأن القدس أقل أهمية من غيرها أبداً.

 

ونحن لا نعرف أن أول مسجد في الإسلام بني قرب الطائف؟! فمن أين لهذا الجاهل المتجاهل الحاقد المشوِّه للتاريخ ولصورة الإسلام ونبي الإسلام، بحقد عنصري مقيت، أن يتكلم عن مكانة القدس ورسول الإسلام ومقدساته وتاريخه وأحكامه وثقافته وحضارته؟!. إن الحقد والجهل لا يصنعان التاريخ لحق بل تاريخاً مزيفاً لا بد أن يسقطه التاريخ.

 

من المؤكد أن هذا مثير جداً، ولكن المثير بصورة أشد هو موقف بعض العرب من كل ذلك، وأن يمد عرب من العرب أيديهم لهؤلاء المعتدين العنصريين أعداء العروبة والإسلام والحقيقة والإنسانية، في خطوات تطبيع مجانية، وأن يقول بعض مستجدي السياسة من طالبي الرضا الصهيوني ـ الغربي عن نفسه: "إننا لم نمد اليد للشعب اليهودي في حركة اعتراف وتطبيع وبناء ثقة"؟؟

 

فأي اعتراف وأي تطبيع مع أعداء العروبة والإسلام والحقيقة والإنسانية، وأية ثقة بمن يقتلون الرسل، ويشوهون الرسالات السماوية والتاريخ، ويحتلون أرضنا، ويحاصرون شعبنا، ويزرعون في المورثات الجينية لأهلنا في غزة أشعة اليورانيم التي تفتك بهم وبنسلهم وتهلكه وتبيده على المدى الطويل؟!.  

 

 

 

                 

انشر عبر