لم يحتج القصف سوى لحظات قليلة ليحوّل منزلًا كان يضم عائلاتٍ ممتدة إلى ركامٍ صامت، ويترك خلفه ثلاث فتيات هنّ بنات خالات، يواجهن الحياة وحدهن بعدما فقدن كل أفراد عائلاتهن في لحظة واحدة. خرجن من تحت الأنقاض أحياء، لكنهن خرجن أيضًا إلى واقعٍ مثقل بالفقد الكامل، بلا آباء ولا أمهات ولا إخوة، سوى ذكريات باتت تثقل القلب كل يوم.
استهدف الاحتلال "الإسرائيلي" المنزل الذي كانت تأوي إليه العائلات بحي التفاح، ما أدى إلى تدميره بالكامل ودفن من بداخله تحت الركام، وعلى مدار ساعات طويلة، عملت طواقم الإنقاذ وسط دمار كثيف وصمت ثقيل، قبل أن تتمكن من انتشال الفتيات الثلاث " غزل الكباريتي ومها العرعير ومنّة الله أبو فضة" أحياء من تحت الأنقاض، بعد نجاتهن بأعجوبة من موتٍ كان قريبًا جدًا، لكن النجاة هنا لم تكن نهاية الحكاية، بل بدايتها الأكثر قسوة.
اليوم، تعيش الناجيات الثلاث حالة من صدمة نفسية عميقة، إذ تجمعهن ليست فقط رابطة القرابة، بل أيضًا تجربة الفقد ذاته؛ فقدان العائلة بالكامل في لحظة واحدة. بينهن صمت طويل، ونظرات تحمل ما لا يُقال، وصور قليلة يحاولن من خلالها استعادة ملامح من رحلوا، تقول الناجية غزل الكباريتي لـ" مراسل وكالة فلسطين اليوم الإخبارية".
وتضيف:"كل يوم بنصحى على غيابهم… كأننا لسه تحت الركام، بس الفرق إنهم مش معنا".

وأما الناجية منّة الله أبو فضة تقول :" إحنا بنات خالات، نجينا بأجسادنا، بس كل شي فينا هناك… مع أهلنا اللي راحوا"
أعربت الثالثة مها العرعير عن مشاعرها وهي تتأمل صورًا قديمة لعائلتها، قائلة: “كل صورة بنشوفها إلهم بتوجّعنا… وبترجعنا للحظة اللي فقدنا فيها كل شيء”.
هذه الكلمات القليلة تختصر عالمًا كاملًا من الألم، حيث تحوّل الرابط العائلي الذي جمعهن يومًا إلى رابط آخر مختلف تمامًا؛ رابط النجاة من الفقد بدل العيش في كنفه.
ورغم مرور الوقت، لا تزال آثار تلك اللحظة حاضرة بكل تفاصيلها؛ لحظة انطفأت فيها حياة عائلات كاملة تحت الركام، وبقيت بعدها ثلاث بنات خالات يحملن وحدهن ثقل ما حدث، ويحاولن التعايش مع غياب لا يُعوّض.
وتبقى قصتهن واحدة من صور الفقد المركّب الذي يعيشه الناجون من القصف بغزة، حيث لا تنتهي المأساة عند لحظة النجاة، بل تبدأ معها حياة كاملة من الغياب والوجع والذاكرة الثقيلة.