على الرغم من توقيع إطار اتفاقية التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران ببنودها الأربعة عشر، وبدء الجولة الأولى من المفاوضات في جنيف، إلا أن الجولة الثانية غير المباشرة في قطر كانت مفاجئة بحجم المرونة التي أبداها الأميركيون تجاه إيران.
وجاءت هذه المرونة بعد أن عملت واشنطن على نقض الاتفاق وتفريغه، خاصة فيما يتعلق بمضيق هرمز، ليقينها بالمخاطر المنعكسة على نظام البترودولار الذي تشكّل فيه دول الخليج المرتكز الأساسي له. كما سعت واشنطن إلى فصل المسارين الإيراني واللبناني تلبية للضغوط "الإسرائيلية" داخل الإدارة الأميركية، لمنع التحولات الاستراتيجية في منطقة غرب آسيا على حساب دورها.
هذا الأمر يوضح محورية غرب آسيا كقلب للعالم في تحديد مسارات النظام الدولي الجديد الذي لم يُعلن عن ولادته بعد. فالمرحلة الأخيرة من خطة إسقاط الدول السبع التي كشفها الجنرال الأميركي المتقاعد ويسلي كلارك عام 2001 - والتي كانت تهدف إلى إسقاط العراق، سوريا، لبنان، ليبيا، الصومال، السودان، وإيران - قد سقطت في مرحلتها الأخيرة من الناحية الفعلية، بفعل القدرات الإيرانية غير المتماثلة وبنية الشخصية الإيرانية المتجذّرة تاريخياً وحضارياً في إدارة الحرب التي شُنّت عليها.
ما حدث يعني سقوط مشروع تدمير إيران، الذي كان ضرورياً لعملية إعادة هيكلة ما يسمّى غربياً "الشرق الأوسط" وفقاً للرؤية الغربية. لقد أثبتت الحرب أن إيران لم تكن مجرد حلقة في سلسلة، بل كانت الحلقة الأقوى التي كسرت السلسلة بأكملها. فبينما كانت الخطة الأميركية تتصوّر أن إسقاط نظام بغداد سيكون البداية، وأن دمشق وبيروت وطرابلس ستسقط كقطع الدومينو، فإن الواقع أثبت أن طهران كانت حجر الزاوية الذي لم يتحرك، بل تحرّك هو وأطاح كل الحسابات.
اليوم، يفرض الواقع الجديد على واشنطن الاعتراف بالتعاطي مع قوى جديدة في المنطقة، وعلى تل أبيب أن تعترف بأن مشروع "إسرائيل الكبرى" أصبح في مكان آخر. لم تعد الخرائط التي رسمتها المخيّلة الصهيونية "من الفرات إلى النيل" قابلة للتحقيق، بعد أن أثبتت المقاومة في غزة وجنوب لبنان، بدعم من الإرادة الإيرانية، أن هذه المشاريع التوسعية تصطدم بحقائق الجغرافيا والتاريخ والديموغرافيا.
هذا الواقع الجديد يفرض على واشنطن خياراً واحداً لا اثنين. فالحرب التي يمكن أن تندلع من جديد لن تغيّر من واقع هرمز، الذي بات بيد إيران مفتاح الاقتصاد العالمي، وبيدها إغلاقه نحو الكساد الكبير. فمنذ اليوم الأول للحرب، أظهرت إيران قدرتها على شلّ حركة الملاحة في المضيق، ما يهدد بإغراق العالم في ركود لا يقلّ كارثية عن الكساد الأعظم.
في هذا السياق، تبرز معادلة صارخة: إما أن تختار واشنطن إنقاذ اقتصادها واقتصاد العالم، وإما أن تختار "إسرائيل" ودمار العالم اقتصادياً. فالدين الأميركي الوطني تجاوز حاجز 37 تريليون دولار,وهو رقم يعادل اقتصاد الصين ومنطقة اليورو مجتمعَين. وهذا الدين يتضاعف بمعدل تريليون دولار كل خمسة أشهر، مع توقعات بأن يصل إلى 54 تريليون دولار خلال عقد، وإلى 150 تريليون دولار بحلول 2055. في هذا السياق، أي حرب جديدة تعني إنفاقاً عسكرياً هائلاً سيزيد من الدين، وأي إغلاق لمضيق هرمز يعني ارتفاعاً جنونياً في أسعار النفط، وأي ركود عالمي يعني انهيار الإيرادات الضريبية، وكلها عوامل تضرب الاقتصاد الأميركي في مقتل.
أما "إسرائيل"، فهي تخرج من هذه الحرب منهكة أكثر مما دخلتها، بعد قرابة ثلاث سنوات من الحروب المتواصلة التي استنزفت اقتصادها وجيشها ومخزونها الاستراتيجي. لم تعد القوة التي يمكنها تغيير التحولات الاستراتيجية في غرب آسيا، ولم تعد الورقة الرابحة التي يمكن لواشنطن المراهنة عليها. لقد أثبتت الأيام أن "إسرائيل" لم تعد قادرة على فرض إرادتها على جيرانها، وأن مشروعها التوسعي قد اصطدم بحائط المقاومة المسلحة والإرادة الإيرانية الصلبة.
وبكل الأحوال، حتى لو اختارت واشنطن الخيار الأول - أي إنقاذ الاقتصاد العالمي - فإن ذلك لن يؤثر على مسار الديون الأميركية المتصاعدة. فالدين الوطني البالغ 37 تريليون دولار ليس مجرد رقم في دفاتر الخزانة، بل هو قنبلة موقوتة تحت اقتصاد واشنطن، تنتظر اللحظة المناسبة للانفجار. فائدة الدين وحدها تجاوزت تريليون دولار سنوياً، متجاوزة ميزانية الدفاع بأكملها، ومهددة بتحويل الولايات المتحدة إلى دولة مفلسة غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها الدولية.
في هذه المعادلة، لم يعد خيار الحرب مطروحاً بجدية، لأن أي حرب جديدة ستعني ليس فقط استمرار الاستنزاف، بل انهياراً اقتصادياً قد يطيح الولايات المتحدة من موقعها كقوة عظمى. كما أن خيار الاستمرار في دعم "إسرائيل" من دون قيد أو شرط لم يعد ممكناً، لأن هذا الدعم سيصبح عبئاً لا تحتمله الميزانية الأميركية، وسياسياً لا يحتمله الرأي العام الأميركي المتعب من حروب الشرق الأوسط.
في ظل هذه المعطيات، تبقى هناك أسئلة مفتوحة على كل الاحتمالات:
· هل ستنجح إدارة ترامب في إقناع "اللوبي الإسرائيلي" بضرورة التضحية ببعض المصالح الإسرائيلية من أجل إنقاذ الاقتصاد الأميركي، أم أن ضغوط الآيباك ستكون أقوى من أي اعتبار اقتصادي؟
· كيف سيكون شكل غرب آسيا إذا اختارت واشنطن الانسحاب الاستراتيجي والاعتراف بالنفوذ الإيراني، وهل سيكون هذا الانسحاب منظّمًا أم فوضويًا؟
· هل تستطيع إيران، المنتصرة معنوياً وسياسياً، تحويل انتصارها إلى مكاسب اقتصادية حقيقية تعزز مكانتها الإقليمية، أم أن العقوبات والضغوط ستستمر في تقويض اقتصادها؟
· وإذا اختارت واشنطن "إسرائيل" على حساب الاقتصاد العالمي، فهل سيكون العالم مستعداً لتحمّل تبعات كساد كبير جديد، أم أن القوى الصاعدة (الصين، روسيا، الهند) ستتدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟
· والسؤال الأهم: هل تدرك "تل أبيب" أن الوقت قد حان لإعادة تعريف دورها في المنطقة، من مشروع إمبراطوري توسّعي إلى دولة إقليمية تبحث عن البقاء في محيط متغيّر، أم إلى كيان غير قابل للبقاء؟
الأسابيع والأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مسار غرب آسيا للسنوات المقبلة، وربما لخمسة عقود. فإما أن نصل إلى تسوية تاريخية تعيد تشكيل المنطقة، وإما أن ننزلق إلى فوضى واسعة قد تطيح الجميع. لكن المؤكد أن خيارات واشنطن و"تل أبيب" لم تعد كما كانت، وأن المنطقة التي كانت تُدار بوصاية غربية أصبحت اليوم ساحة لتوازنات جديدة، تحكمها قوى إقليمية صاعدة تدرك أن مستقبلها لم يعد مرتبطًا بإملاءات الخارج، بل بإرادتها الذاتية وقدرتها على الصمود وبناء تحالفاتها الخاصة.