اعترفت الحكومة الإسرائيلية وبالإجماع التامّ بالإبادة التي قالت إنّ الأرمن قد تعرّضوا لها في العام 1915 خلال حكم الدولة العثمانية، وأحالت القرار إلى الكنيست للمصادقة عليه.
وقرّرت الحكومة أيضاً تسمية إسطنبول بعد الآن باسم القسطنطينية، وهو اسمها في العهد البيزنطي عندما فتح الأتراك المدينة على يد السلطان محمد الفاتح عام 1453.
القرار جاء رداً على أقوال الرئيس إردوغان الذي اتهم خلالها نتنياهو والحكومة الإسرائيلية بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية وتطهير عرقي ضدّ الشعبين الفلسطيني واللبناني، مشبّهاً نتنياهو بهتلر، ومؤكّداً أنّ تركيا ستلاحق الكيان العبري وتعاقب الصهيونية العالمية على ما ارتكبته من مجازر بحقّ الشعبين الفلسطيني واللبناني وباقي شعوب ودول المنطقة.
وردّ نتنياهو ومعه العديد من المسؤولين الإسرائيليين على تصريحات الرئيس إردوغان، واتهموه بارتكاب "مجازر ضدّ الأرمن والكرد وإقامة نظام استبدادي ديكتاتوري لا يرحم أحداً وفي مقدّمتهم الصحافيون والمثقفون".
الفتور والتوتر والاتهامات المتبادلة لم تمنع أنقرة و"تل أبيب" من الدعم المشترك لأذربيجان خلال حربها ضدّ الأرمن خلال الحرب الأخيرة، وانتهت بسيطرة أذربيجان على إقليم ناغورنو كاراباخ وكلّ المناطق المجاورة له والتي سبق للأرمن أن احتلوها خلال العامين 1991-1992.
الفتور والتوتر المتبادل لم يمنع أيضاً أنقرة و"تل أبيب" من تجاهل الواقع الغريب في سوريا حيث توجد القوات التركية في الشمال السوري مقابل توغّل اسرائيلي يومي في الجنوب السوري ومن دون أيّ اعتراض من دمشق أو العواصم العربية على ذلك مع تجاهل أميركي وغربي مطلق على كلّ هذه المعطيات والتطوّرات.
ويبدو أنّ الكيان العبري يسعى للاستفادة منها والخلط بين أوراقها، فأثار موضوع الإبادة الأرمنية محاولاً بذلك تضييق الحصار على الرئيس إردوغان، وقال الرئيس ترامب وأكثر من مرة إنه "صديقه الحميم ويفعل كلّ ما يطلبه منه".
اعتراف الحكومة الإسرائيلية بالإبادة الأرمنية لم تولِه أنقرة المزيد من الاهتمام واكتفت بالردّ عليه ببيان من الخارجية التي ذكّرت حكّام "تل أبيب" بقرار محكمة الجنايات الدولية التي اتهمت نتنياهو بارتكاب مجازر جماعية وإبادة وتطهير عرقي بحقّ الشعب الفلسطيني.
والأغرب من ذلك هو ردّ ياريفان على قرار الحكومة الإسرائيلية، حيث قلل رئيس الوزراء باشينيان من أهمية القرار، مؤكّداً "أنّ مصلحة بلاده تقتضي عدم توظيف قضية الإبادة الجماعية للأرمن كسلاح سياسي أو ورقة ضغط في الخلافات الإقليمية".
وجاء الموقف الأرمني البارد هذا بعد الفتور الذي خيّم على العلاقات بين ياريفان و"تل أبيب" بعد أن اعترفت أرمينيا العام الماضي بدولة فلسطين كما لم تُخفِ ياريفان انزعاجها من الدعم الإسرائيلي لأذربيجان خلال حرب كاراباخ.
في الوقت الذي يعرف فيه الجميع أنّ "تل أبيب" واللوبيات اليهودية في الغرب وخاصة أميركا كانت تمنع الحكومات من الاعتراف رسمياً بالابادة الأرمنية التي اعترفت بها حتى الآن 23 دولة مع اعتراف شخصي من الرئيس بايدن عام 2021.
وقيل آنذاك إنّ هذا الاعتراف قد جاء كورقة ضغط على الرئيس إردوغان لإقناعه أو إجباره على مصالحة الكيان العبري وبعد سلسلة من الزيارات التي قام بها مسؤولو االمنظمات اليهودية في أميركا وأوروبا إلى تركيا.
ومنها زيارة ممثلي ما يسمّى باتحاد حاخامات الدول الإسلامية إلى أنقرة في كانون الأول/ديسمبر 2021 ولقاء الرئيس إردوغان وتقديسه وفق الطقوس التوراتية.
وكان ذلك بداية التطبيع السياسي بين "تل أبيب" وأنقرة حيث دعا الرئيس إردوغان نظيره الإسرائيلي هرتسوغ لزيارة تركيا في 9 آذار/مارس 2022 والتقى بعدها إردوغان رئيس الوزراء لابيد في نيويورك في 23 أيلول/سبتمبر من العام نفسه، وبعدها بعام تماماً المجرم نتنياهو في نيويورك أيضاً وقبل أسبوعين من طوفان الأقصى.
الأوساط السياسية والدبلوماسية التي تذكّر بنجاح الصهيونية العالمية بالتسويق لأكاذيب الهولوكست أي ما قام به هتلر إبّان وخلال الحرب العالمية الثانية ضدّ اليهود، ترى في قرار الحكومة الإسرائيلية الأخير محاولة غير جادة من قبل "تل أبيب" لتضييق الحصار على تركيا من خلال تذكير الرأي العام العالمي بالإبادة التي تعرّض لها الأرمن خلال الفترة من 1915-1917 والتي يرفضها الجانب التركي الذي يقول إنّ ما تعرّض له الأرمن آنذاك كان نتاج تحالفهم مع روسيا ضد الدولة العثمانية التي كانوا مواطنين فيها.
في الوقت الذي يعرف فيه الجميع أنّ الصهيونية العالمية كانت تتصدّى للادّعاءات الأرمينية وتمنع الدول من الاعتراف بها حتى تحتكر مشاعر التضامن الإنساني العالمي مع اليهود فقط، وقالت إنهم تعرّضوا لإبادة جماعية خلال الحكم النازي، وهو ما كذّبه العديد من المؤرّخين والعلماء الأميركيين والأوروبيين ومعظمهم من اليهود الذين كذّبوا معظم مقولات الصهيونية العالمية فيما يتعلّق بما يسمّى بالمحرقة اليهودية.
قرار الحكومة الإسرائيلية وحتى إن صادق عليه الكنسيت لن يكن له أيّ صدى عالمي بسبب الدعم الأميركي للرئيس إردوغان وبالتالي مساعي المصالحة بين أنقرة وياريفان مع استمرار الفتور والتوتر بين ياريفان وموسكو بعد فوز باشينيان في الانتخابات الأرمنية الأخيرة، وبعد أن تبنّى شعار التخلّص من الهيمنة الروسية والانضمام إلى المعسكر الأوروبي والغربي عموماً.
وأدّى ذلك إلى توتر جدّي في منطقة القوقاز وفيها أذربيجان حليف الكيان العبري وجورجيا التي تسعى لتطوير علاقاتها مع الغرب و"تل أبيب" أيضاً.
في الوقت الذي تسعى في جورجيا ومعها أرمينيا لتطوير علاقاتها مع أنقرة مع استمرار الحوار الإيجابي والبنّاء بين إردوغان وباشينيان بهدف فتح الحدود بين البلدين والتبادل الدبلوماسي بعد أن تراجعت إن لم نقل انتهت تماماً حدة أحاديث الأرمن عن الإبادة الأرمنية في العهد العثماني.
وبعد أن اقتنع الأرمن أنّ ذلك لن يساعدهم على تحقيق أيّ انتصار على تركيا، فاضطرّوا لمصالحتها بعد الهزيمة الكبرى التي منيوا بها في حرب كاراباخ.
والغريب أنّ هذه الهزيمة لم تؤثّر على شعبية باشينيان الذي اتهمته المعارضة بالخيانة العظمى، ولكنّ المواطنين الأرمن انتخبوه مرة أخرى بعد أن نجح في إسكات المعارضة بأشكالها كافة بما فيها الكنسية الأم اجميازدين التي اتهم باشينيان قساوستها بالتآمر عليه مع الروس.
وفي جميع الحالات وأياً كان مستقبل الفتور والتوتر بين "تل أبيب" وأنقرة، فالعديد من المسؤولين الإسرائيليين يرشحون العلاقة بين الطرفين لمواجهة ساخنة لا مفر منها في حال استمرار الرئيس إردوغان في الحديث عن ذكرياته التاريخية ومقولاته النارية ضدّ الكيان العبري، ومنعه من تحقيق أيّ من أهدافه التاريخية والعقائدية والدينية وأهمها إقامة دولة "إسرائيل الكبرى".
في الوقت الذي يبدو فيه واضحاً أنّ مقولات إردوغان هذه تحظى بتأييد شعبي واسع ليس فقط من قبل أنصاره وأتباعه بل من معظم فئات الشعب التركي والتي لم تُخفِ فرحتها من الانتصار الإيراني على الكيان العبري، وهو الأول من نوعه منذ قيامه بعد أن فشلت كلّ الدول العربية والإسلاميةب إلحاق أيّ أذى بهذا الكيان المجرم بحقّ فلسطين ولبنان وسوريا واليمن وباقي دول المنطقة، بما فيها تركيا بشكل مباشر أو غير مباشر طالما أنّ ثلث أراضيها داخل حدود "دولة إسرائيل الكبرى".
ويبقى التساؤل الأخير حول أهمية التوقيت الزمني لاعتراف الحكومة الإسرائيلية بالإبادة الأرمنية التي لم تلقَ آذاناً صاغية ليس فقط في أرمينيا بعدد سكانها الذي لا يزيد عن ثلاثة ملايين، بل في الشتات حيث يعيش في روسيا نحو مليون أرمني وعدد مماثل في أميركا مقابل ما مجموعه مليون آخر في فرنسا وكندا وباقي الدول الأوروبية.
وبقي في لبنان نحو 200 ألف وعدد أقلّ كثيراً في سوريا التي تعرّض فيها الأرمن لعداء مباشر من المجموعات الإرهابية، وفي مقدّمتها "داعش" و"النصرة" خلال سنوات ما يسمّى بـ "الربيع العربي" الدموي.
ويبقى القرار في نهاية المطاف للرئيس ترامب الذي لا يخفي محبّته العميقة للرئيس إردوغان على الرغم من عدائه المعلن للكيان العبري، ولا يخفي ترامب تحالفه الاستراتيجي معه، وبعد أن جمع في البيت الأبيض الرئيس الأذربيجاني إلهام عالييف ورئيس وزراء أرمينيا باشينيان الذي رفض أن يكون ورقة نتنياهو الخاسرة ضدّ الجارة تركيا التي هو بحاجة إليها أكثر بكثير من الكيان العبري، وحتى إن نسي أو تناسى ومعه غالبية الأرمن تاريخهم المرير مع الأتراك أحفاد العثمانيين.