عندما تبلغ الحرب يومها الألف فإننا لا نكون أمام عدوان إسرائيلي عابر على غزة ولا أمام معركة محدودة بل أمام حقبة كاملة من التدمير المنهجي وإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا بالقوة المسلحة، ألف يوم من الحرب والعدوان على الأبرياء في غزة تعني ألف يوم من القتل والتجويع والحصار والنزوح والإبادة المركبة التي استهدفت الإنسان والحجر والذاكرة الوطنية في آن واحد.
لقد خلفت هذه الحرب واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية قسوة في التاريخ المعاصر، عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى ومئات آلاف النازحين ومدن كاملة تحولت إلى ركام وبنية تحتية جرى تدميرها بصورة ممنهجة بما في ذلك المستشفيات والمدارس والجامعات والمساجد والكنائس والمناطق الأثرية وشبكات المياه والكهرباء، ولم يعد الحديث عن أضرار جانبية للحرب ممكنا لأن حجم التدمير يكشف عن استراتيجية عسكرية قائمة على العقاب الجماعي وإنتاج بيئة غير قابلة للحياة.
إن المجازر التي ارتكبت بحق الأطفال والنساء والمدنيين العزل تمثل وصمة قانونية وأخلاقية في جبين النظام الدولي الذي يمارس ازدواجية المعايير فالطفل الفلسطيني تحول إلى هدف مكشوف في معادلة النار والمرأة الفلسطينية دفعت أثمانا مضاعفة بين الفقد والنزوح والجوع والحرمان، وتظهر الشهادات الإنسانية للناجين أن الحرب لم تستهدف الأجساد فقط بل استهدفت البنية النفسية والاجتماعية للمجتمع الفلسطيني عبر نشر الصدمة الجماعية وتفكيك الأسر وإنتاج أجيال تحمل ندوبا نفسية عميقة.
ومن منظور القانون الدولي فإن ما جرى خلال ألف يوم يثير بصورة جدية توصيفات قانونية تتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية وفقا لاتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي ،إن الاستهداف المتكرر للمدنيين وتدمير المرافق المدنية واستخدام الحصار والتجويع كسلاح حرب يشكل مادة اتهام ثقيلة ستبقى تلاحق الاحتلال سياسيا وقضائيا مهما حاول الإفلات من المساءلة.
لكن الأخطر أن هذه الإبادة لم تتوقف حتى خلال فترات الهدنة المعلنة، فالهدنة التي يفترض أن تكون مساحة لالتقاط الأنفاس تحولت إلى مرحلة أخرى من الانتهاكات والخروقات الميدانية، عمليات القصف والاستهداف وإطلاق النار على المدنيين استمرت بأشكال مختلفة فيما تعرض مواطنون للقتل أثناء محاولتهم تأمين الغذاء والماء أو البحث عن مصادر رزقهم المحدودة.
إن استهداف المواطنين خلال سعيهم إلى تأمين احتياجاتهم المعيشية يكشف عن طبيعة الحرب القائمة على إنهاك المجتمع وتجريده من مقومات البقاء فالاحتلال لا يكتفي بتدمير البيوت بل يلاحق الإنسان في لقمة خبزه وفي طابور المساعدات وفي رحلته اليومية للبحث عن الماء والدواء وسط حديث قوي عن اعداد خطط إسرائيلية لتهجير السكان قسرا.
ومن الناحية السياسية فإن استمرار الانتهاكات خلال الهدنة ينسف الرواية الإسرائيلية التي تحاول تسويق نفسها أمام العالم بوصفها طرفا ملتزما بالتهدئة فالوقائع الميدانية تشير إلى أن سياسة فرض الأمر الواقع بالقوة ما زالت تحكم العداون العسكري الإسرائيلي وأن مفهوم التهدئة بالنسبة للاحتلال ليس سوى إعادة تموضع تكتيكية تتيح له استكمال أهدافه الاستراتيجية فخلال الهدنة استشهد مايزيد عن الف إنسان و اخترقت الهدنة آلاف المرات وتمدد الخط الأصفر ليسيطر اسرائيل على ٧٠٪من مساحة القطاع المحدود جغرافيا وتفرض الحصار الخانق على ما تبقى من القطاع مالياً و مائياً و غذائيا وعسكرياً من الأرض والجو والبحر وسط صمت دولى مؤلم لنفوس المظلومين في غزة.
لقد كشفت ألف يوم من الحرب عن أزمة عميقة في النظام الدولي وعجز مؤسساته عن حماية المدنيين وإنفاذ القانون الدولي الإنساني كما أثبتت أن القضية الفلسطينية ما زالت تمثل اختبارا حقيقيا لمصداقية القيم التي يرفعها العالم تحت عناوين حقوق الإنسان والعدالة الدولية.
وأمام هذا المشهد فإن توثيق هذه الحقبة ليس عملاً إعلامياً فحسب بل واجب تاريخي وأخلاقي وقانوني إن الرواية الفلسطينية مطالبة اليوم بتثبيت الذاكرة الوطنية وحفظ أسماء الضحايا وتوثيق الجرائم وكشف تفاصيل الإبادة أمام الرأي العام العالمي، فالحروب تنتهي يوما لكن الذاكرة لا تموت والجرائم الكبرى لا تسقط بالتقادم والشعوب التي تحفظ سرديتها وتدافع عنها قادرة في النهاية على تحويل الألم إلى قوة والصمود إلى مشروع تحرر وطني طويل النفس.