"ليس في الدنيا أصعب وأقسى من أن يخشى الأطفال أمهم ولا يتقبلونها" لكن هذا هو مايحرق قلب المواطنة الأربعينية نجوى أبو عطيوي، من سكان مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، والتي انقلبت حياتها في الحادي عشر من سبتمبر 2024، رأساً على عقب، بعد أن شوه صاروخ "إسرائيلي" غادر جمالها فقسم وجهها وغير ملامحها، وباقي تفاصيل حياتها.
قتل ذات الصاروخ الإسرائيلي ابنتها، فيما بقي أطفالها الخمسة الذين أصيبوا بجراح متفاوتة، يتحسرون على أمهم التي تحولت حياتها للجحيم، فلم تعد مشاعر الحب والطمأنينة هي وحدها التي تلف بيتها، بل بات الخوف والخشية من ملامحها ولمس معالم وجها هو ما ينغص عيشها الذي تغير للأسوأ.
فالحرب الإسرائيلية على قطاع غزة التي استمرت عامين وانتهت باتفاق في أكتوبر 2025، لم تترك شهداء وجرحى فقط، بل تركت ندوباً وجراح غائرة في القلب تحتاج لسنوات طويلة لإنقاذها، ولملمتها، من بينها حياة المواطنة أبو عطيوي.
وخلّف العدوان الإسرائيلي أعدادًا كبيرة من المصابين بإعاقات وتشوهات دائمة، نتيجة الإصابات البالغة الناجمة عن القصف، بما في ذلك بتر الأطراف، والحروق العميقة، وتهتك الأنسجة، وإصابات الوجه والعينين والعمود الفقري، كما أدى انهيار المنظومة الصحية ونقص المعدات والأدوية إلى تفاقم هذه الإصابات، ما زاد من احتمالية حدوث إعاقات وتشوهات طويلة الأمد.
تروي أبو عطيوي لمراسلة "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية" بأسى حكايتها:" قصف منزلنا في 11/9/2024، ونقلت لمستشفى العودة بمخيم النصيرات وسط القطاع، ونظراً لجراحي الخطيرة وحالتي المتردية، ظن الأطباء أنني استشهدت وتم تكفيني لكنه في اللحظات الأخيرة عدت".
وتضيف:" جرى نقلب لمستشفى شهداء الأقصى، وبقيت في غرفة العناية المركزة لـ4 أيام في حالة حرجة، فيما نقلت بعدها لقسم الجراحة لتمكث فيه لمدة 3 شهور، حيث جرى تركيب بلاتين في الوجه لترميمه".
أسفرت إصابة أبو عطيوي عن أضرار جسيمة في عظام الوجه والفك والأنف والوجنة، إضافة إلى فقدان إحدى العينين، ما استدعى خضوعها لعدة عمليات جراحية معقدة، غير أن آثارها ما تزال حاضرة بقوة، مع استمرار التشوهات وصعوبة الحركة والكلام والأكل.
لم يكن سهلاً على أبو عطيوي أن ترى وجهها بهذا الشكل، ففي المرة الأولى التي شعرت فيه، كانت الصدمة أقرب لها من أي شعور ، وإحساس أقرب للموت والدمار النفسي، لكن ما دمرها هو نبأ استشهاد ابنتها في ذات القصف، فكان ما جرى بالنسبة لها هو أهون.
تعيش أبو عطيوي الآن في خيمة صغيرة أقامتها على ركام منزلها، لكن الحزن والألم يلازمانها بسبب عدم تقبل أولادها لها وتعرضها للتنمر، حتى أن ابنتها الطفلة ذات العامين "تسواهن" لم تتعرف عليها وترفض تقبلها والعيش معها، وتعيش اليوم مع خالتها لمساعدتها في تربيتها في ظل حالتها الصحية المتردية، حيث تعرضت للضرب من ابنتها على وجهها أكثر من مرة.
لا تطلب نجوى الكثير، فهي تستجدي "كشافاً للإنارة" لتنير فيه ظلمتها حيث فقدت الرؤية في عينها اليمنى، فيما تعاني عينها الشمال بسبب التركيز عليها، وتفتقد لكل وسائل الإنارة.
وتتمنى أن تتمكن من السفر للعلاج في الخارج حيث حصلت على تقارير طبية وتحويلة لتمكنها من السفر للخارج، فهي لا تقوى على مشاعر أولادها تجاهها، معربةً عن أملها أن تتمكن أي جهة ودولة لتبني حالتها وتستطيع السفر مع أولادها لإعادة الحياة من جديد مع فلذات كبدها.
أطباء يتابعون لحالة أبو عطيوي يؤكدون أن وضعها الصحي لا يزال مهددًا بالتدهور، في ظل محدودية الإمكانيات الطبية المتاحة، مشيرين إلى حاجتها الماسة إلى استكمال رحلة علاجية متقدمة خارج قطاع غزة، تشمل عمليات ترميم دقيقة لعظام الوجه والجمجمة، وتركيب عين صناعية، وإجراءات جراحية لإعادة التأهيل الوظيفي.
وأدت الحرب وما رافقها من تدمير للمستشفيات والمراكز الصحية، ونقص الأدوية والمستهلكات الطبية، أدى إلى تراجع قدرة المنظومة الصحية على تقديم خدمات علاجية متخصصة، مما استدعى ضرورة العلاج بالخارج الأمر الذي يصطدم برفض إسرائيلي وإغلاق متكرر لمعبر رفح البري.
وفقًا لأحدث البيانات الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، فإن أكثر من 21 ألف مريض وجريح ينتظرون التحويل للعلاج خارج قطاع غزة، في ظل عدم توفر العلاج اللازم داخل القطاع، وتشمل هذه القائمة 195 حالة حرجة تحتاج إلى إجلاء طبي عاجل.
وبينما تتزايد أعداد المرضى المحتاجين إلى رعاية عاجلة، استشهد أكثر من 1,500 مريض خلال فترة انتظارهم الحصول على فرصة للسفر، ما يعكس حجم الأزمة الإنسانية التي تواجه المرضى المحرومين من العلاج.
تعيش أبو عطيوي تفاصيل قصة إنسانية الأكثر قسوة وألم حوسط معاناة ثقيلة بدأت بقصف إسرائيلي، انتهت بارتقاء ابنتها وبإصابة بالغة غيّرت ملامح وجهها بالكامل، وأدخلتها في دوامة من الألم الجسدي والنفسي، انعكست آثارها على حياتها اليومية وعلاقتها بأطفالها في ظل ظروف معيشية وصحية معقدة تزيد من حجم المعاناة اليومية.