غزة تُسقط مشروع الفتنة.. وتجدّد انحيازها لخيار المقاومة!

الساعة 10:10 ص|28 يونيو 2026

فلسطين اليوم | أحمد عبد الرحمن

لم يعُد من الضروري أن نُعدّد كميّة الأزمات التي يعاني منها قطاع غزة المنكوب والمُحاصر لكي نصل إلى نتيجة مفادها أنّ هذا القطاع الصغير والفقير والمهمّش يعاني منذ أكثر من عامين وثمانية أشهر تقريباً من أسوأ كارثة إنسانية شهدها التاريخ الحديث.

في قطاع غزة الذي تحوّل بفعل القصف والحصار إلى منطقة غير صالحة للسكن، يمكن ملاحظة مروحة واسعة من الأزمات، يتصل معظمها بحياة أكثر من مليونين وربع المليون إنسان يعيشون فيه، وهم أي هؤلاء الناس يكابدون كلّ يوم بل كلّ ساعة شغف العيش، وقلّة ذات اليد، ويواجهون الموت المتربّص بهم في كلّ مكان، بعد أن فقدوا أموالهم وأرزاقهم وبيوتهم، وبعد أن فقدوا أيضاً عشرات الآلاف من أبنائهم وبناتهم شهداء، في مجازر يندى لها جبين الإنسانية، الذي لم يرفّ له جفن، ولم يتحرّك له ضمير، وأغمض عينيه، وصمّ أذنيه حتى لا يسمع أو يرى عذابات المضطهدين والمنكوبين في غزة.

في غزة هناك أزمات فيما يتعلّق بتوفير الغذاء والدواء، وأخرى في توفير الحدّ الأدنى من المياه الصالحة للشرب، بل وفي توفير المياه اللازمة للنظافة الشخصية، إلى جانب أزمات تكاد تكون مستعصية في إيجاد مكان يصلح للسكن، إذ إنّ أكثر من ثمانين بالمئة من بيوت الغزيّين قد تمّ تدميرها عن بكرة أبيها، إضافة إلى ضرر جزئي بليغ أصاب النسبة المتبقّية من هذه البيوت.

من الأزمات أيضاً عدم توفّر مستشفيات أو مراكز صحية مؤهّلة وحديثة، إلى جانب غياب شبه كامل للمدارس والجامعات والمراكز التعليمية، والتي تحوّلت بفعل الحرب إلى مراكز إيواء متهالكة تحوي بين جنباتها مئات الآلاف من المهجّرين قصراً من بيوتهم وأراضيهم.

سوق المال في غزة شهد وما زال هو الآخر أزمة صعبة أثّرت سلباً على حياة المواطنين، والذين باتوا لا يملكون أيّ نوع من أنواع العملات الورقية المتداولة، ولا سيّما بعد أن منع الاحتلال دخول أيٍّ منها إلى أراضي القطاع منذ بداية الحرب، إلى جانب إغلاق سلطة النقد الفلسطينية لجميع البنوك العاملة في غزة، والتي أوقفت فروعها المركزية في رام الله آلاف الحسابات البنكية لسكّان القطاع بحجّة الشفافية المالية، ومكافحة "الإرهاب"، في تساوق واضح لا تخطئه عين مع مخطّطات الاحتلال الهادفة إلى تجفيف كلّ مصادر الدخل لدي السكّان في غزة.  

في ظلّ هذا الواقع المعقّد والقاسي، جاءت الدعوات "المشبوهة" للخروج في مسيرات واحتجاجات تطالب بإسقاط المقاومة، ودفعها للتنحّي عن المشهد العامّ، بل ومطالبتها بتسليم سلاحها تجنّباً لاستئناف العدوان على غزة كما يزعم بعض متزّعمي هذه التظاهرات، والذين غادر معظمهم القطاع في بداية الحرب، ولجأوا إلى تشكيل مجموعات عمل "إعلامية" هدفها الواضح والمعلن تمكين العدو وعملائه من فرض السيطرة الكاملة على قطاع غزة، بعد أن فشل في ذلك بالحديد والنار طوال أشهر الحرب.

إلى جانب المجموعات التي تستخدم منصات التواصل الاجتماعي سلاحاً لها لتنفيذ مخطّطات وُضعت سلفاً في أروقة بعض أجهزة استخبارات دول عربية بعينها، جاءت دعوات مشابهة من قادة الميلشيات العميلة التي توجد داخل المنطقة الصفراء شمال وشرق القطاع، والتي دعت الفلسطينيين في غزة إلى الخروج على المقاومة، ومواجهتها بالطرق والوسائل كافة، ومن ضمنها الوسائل العنيفة، متعهّدة بدعم أيّ طرف يقوم بهذا العمل بالمال والسلاح، وحتى بالمشاركة المباشرة، مستفيدة من الدعم المفتوح الذي تتلقّاه من "جيش" الاحتلال الإسرائيلي، الذي يوفّر لها التأمين والحماية بطائراته ودباباته، إضافة إلى بعض الوسائل التكنولوجية الحديثة التي تستخدمها في بثّ رسائلها التحريضية ضدّ المقاومة والمقاومين. 

بحسب مصادر مقرّبة من المقاومة فإنّ الدعوات للخروج في مسيرات يوم الجمعة الماضي الهادفة لإسقاط المقاومة، ترافقت مع إجراءات عملية واسعة على الأرض، تخلّلها التحضير لتنفيذ هجمات منسّقة ضدّ بعض المواقع الأمنية والمدنية من بينها مساجد ومراكز إيواء، وأخرى تستهدف شخصيات قريبة من المقاومة، إضافة إلى عمليات توغّل عميقة لعناصر ميلشيات الاحتلال باتجاه وسط وغرب بعض مدن القطاع، والقيام باستعراضات عسكرية لتحقيق إنجاز معنوي على أقلّ تقدير. 

وفقاً للكثير من المعطيات يمكن لنا تحديد ثلاثة أسباب رئيسية وقفت وراء هذه الدعوات المشبوهة، وهي أسباب تكشف من دون أدنى شكّ أنّ كلّ ما كان يُخطّط له من أعمال تخريبية تمّ بإشراف مباشر من قبل "جيش" الاحتلال وأجهزته الأمنية، والتي واجهت خلال الفترة الأخيرة جملة من الإخفاقات يمكن الحديث عنها لاحقاً.

السبب الأول كما نعتقد يتعلّق بمحاولة الاحتلال تفجير الساحة الفلسطينية في قطاع غزة من الداخل، سواء من خلال تحريض المواطنين على الاحتجاج والتظاهر، أو من خلال محاولة بثّ الفتنة بين بعض أفراد العائلات من جهة، والمقاومة من جهة أخرى.

خلال شهور الحرب نفّذ عملاء الاحتلال العديد من عمليات القتل والاختطاف بحقّ مواطنين من عائلات عريقة وكبيرة، مع إلقاء المسؤولية على فصائل المقاومة، وهو أمر وإن نتج عنه بعض الاحتكاكات والمشاحنات في حينه، إلا أنّ المقاومة استطاعت بخبرتها وحنكتها تدارك هذا الأمر وكشف خيوطه وتفاصيله الدقيقة، وسحب الكثير من فتائل التفجير التي كان يُعدّها العدو وعملاؤه في غزة.

اعتقد العدو وأجهزته الأمنية أنّ خروج الناس للمطالبة بتحسين الوضع الاقتصادي، وغيره من الحقوق المشروعة سيدفعهم للاشتباك مع المقاومة، وتحميلها مسؤولية ما وصلت إليه الأوضاع في القطاع، وهو ما يمكن أن ينتج عنه ما يشبه الحرب الداخلية التي سعى إليها الاحتلال أكثر من مرّة حتى قبل فترة الحرب.

سبب ثانٍ نراه يقف وراء هذه الدعوات التحريضية يتعلّق بإشغال فصائل المقاومة، ودفعها للتخلّي عن محاولة استعادة قدراتها وتنظيم صفوفها، والتفرّغ لمواجهة سيل من الاحتجاجات والاضطرابات الداخلية، والتي كانت في حال حدوثها ستؤدّي إلى زعزعة الاستقرار الموجود فيما تبقّى من مدن القطاع، والتي وإن كانت تشهد يومياً حالات قصف وقتل واغتيال من قبل طائرات العدو، إلا أنها تعيش حالة من الهدوء النسبي الذي يوفّر مساحة مهمة من أجل استعادة المواطنين لجزء من حياتهم اليومية التي حرمهم الاحتلال منها منذ بداية الحرب.

يعرف الاحتلال أكثر من غيره أنّ فصائل المقاومة في غزة تقوم بأدوار عديدة إلى جانب دورها في مواجهة الاحتلال وميلشياته العميلة، وهي تفعل ذلك في ظروف ميدانية وأمنية معقّدة وبالغة الخطورة، وبالتالي أراد تشكيل ضغط إضافي عليها، ودفعها للخروج عن خطّتها الموضوعة سلفاً واستبدالها بخطط لمواجهة أحداث كان العدو يتوهّم بأنها ستقلب المشهد في غزة رأساً على عقب.

السبب الثالث يتعلّق بمحاولة الاحتلال تبرئة نفسه مما يتعرّض له سكّان القطاع من حصار وتجويع وقتل، وتحميل المقاومة مسؤولية كلّ ما يجري خصوصاً بعد رفضها تسليم سلاحها كما يربد الاحتلال، وهو أمر تعتبره المقاومة خطاً أحمر لا يمكن التسامح معه، أو حتى مجرّد التفكير فيه رغم كلّ ما قد ينتج عن ذلك من مصاعب وأزمات.

منذ بداية العدوان على غزة حاول الاحتلال تبرئة نفسه من كلّ ما لحق بأهالي القطاع من نكبات، ومن كلّ ما تعرّضوا له من عمليات إبادة جماعية لم يشهد التاريخ لها مثيلاً، بل وأقدم في كثير من المرات على إلقاء مسؤولية بعض جرائمه الكبرى مثل قصف المستشفى المعمداني على سبيل المثال على فصائل المقاومة، مستغلّاً تساوقاً غريباً من قبل المجتمع الدولي ومؤسساته الإنسانية، والتي ردّدت في عديد المرّات رواية الاحتلال، واعتبرتها صالحة للاستناد عليها والاعتداد بها.

بعد أن كشفت الكثير من التحقيقات الصحافية والقانونية، والمعلومات الموثّقة كذب رواية الاحتلال، وبعد المطالبات الدولية بضرورة امتثاله للمواثيق الدولية والأممية، وتنفيذ ما عليه من التزامات بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، يعود العدو مرة أخرى لأسلوبه القديم نفسه، والذي يحاول من خلاله تحميل المقاومة مسؤولية تردّي الأوضاع الإنسانية والمعيشية في قطاع غزة، وهو من كان يحاول استخدام التظاهرات والاحتجاجات للتدليل عليه.

على الجانب الآخر شكّل الوعي الشعبي لسكّان القطاع، إلى جانب التحرّكات الواسعة التي قامت بها المقاومة على  الصعد كافة حائط صدّ في وجه كلّ محاولات التخريب والإخلال بالأمن، وهو الأمر الذي أدّى إلى سحب فتيل المؤامرة الكبرى التي كان يعدّ لها الاحتلال، ويسعى من خلالها لتحقيق جملة الأهداف التي أشرنا إليها أعلاه.

على المستوى الشعبي لم تلاقِ دعوات الخروج على المقاومة أيّ صدى يُذكر في معظم مناطق القطاع، باستثناء مجموعات قليلة ومنبوذة من الطابور الخامس الذي يختبئ بين الناس مستغلّاً أوضاعهم المعيشية الصعبة، وظروفهم الإنسانية القاهرة لينشر الفتنة، ويدعو إلى التمرّد والعصيان.

وعلى الرغم من الحملات الإعلامية واسعة النطاق التي رافقت الدعوة للإخلال بالأمن ونشر الفوضى والخراب، والتي استخدمت فيها وسائل التواصل الاجتماعي بكثافة غير مسبوقة، إلى جانب ما قامت بعض الوجوه الإعلامية الفلسطينية التي غادرت القطاع سابقاً، والمحسوب معظمها على أجهزة استخبارات عربية معيّنة، إلا أنّ الاستجابة لتلك الدعوات لم تتجاوز نسبة 1%، بل إنّ الكثير من المدن الفلسطينية شهدت مسيرات ووقفات مؤيّدة للمقاومة، ومناصرة لها، ولا سيّما أثناء تشييع بعض الشهداء الذين سقطوا بنيران وصواريخ "جيش" الاحتلال الصهيوني.

أما على صعيد فصائل المقاومة فقد شهدت مدن القطاع إجراءات أمنية صارمة وحاسمة، تركّز معظمها في المناطق القريبة من الخط الأصفر، والذي توافرت معلومات لدى المقاومة عن التحضير لعمليات توغّل للميلشيات العميلة انطلاقاً منه، وهو الذي جرى بالفعل في بعض المناطق مثل مدينة بيت لاهيا شمال القطاع، والأجزاء الجنوبية من مدينة خان يونس، هذا إضافة إلى حيّ التفاح شمال شرق مدينة غزة.

في كلّ هذه المحاولات تصدّت المقاومة للمجموعات العميلة، واشتبكت معها رغم الدعم الجوي الذي وفّرته لها الطائرات الإسرائيلية، ودفعتها إلى التراجع والاندحار بعد أن كبّدتها خسائر فادحة.

المقاومة قامت أيضاً من خلال صفحاتها الإعلامية ببثّ رسائل توعية للمواطنين الذين يمكن أن ينخدعوا بشعارات الداعين للاحتجاجات، والذين حاولوا وضع السمّ في العسل من خلال التركيز على أزمات غزة، والتذكير بما عاناه المواطنون وما زالوا من أزمات ونكبات، من دون تحميل الاحتلال مسؤولية ذلك.

على كلّ حال، مرّ اليوم الذي كان يُراد فيه إسقاط المقاومة، وتجريدها من حاضنتها الشعبية، وتحميلها مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في قطاع غزة بخير، وذهبت جهود الاحتلال وعملائه أدراج الرياح من دون أن تترك أيّ أثر على تماسك الجبهة الداخلية الفلسطينية، ومن دون أيّ ضرر على مستوى النسيج الاجتماعي لسكّان القطاع، هؤلاء السكان الذين ما زالوا يردّدون قسم الولاء للأرض والمقدّسات، ويذكّرون العالم أجمع بأنهم أصحاب قضية مشروعة، وأنّ حقوقهم التي صادرها الاحتلال لن تسقط بالتقادم، ولا يمكن التخلّي عنها أو إدارة الظهر لها مهما بلغت التضحيات، ومهما كانت المعوقات.

كلمات دلالية