في لحظة واحدة فقط، انهار كل ما كان يبدو عادياً، لم يكن هناك إنذار، ولا مساحة للهرب، فقط دبابات تعود إلى الأزقة، وقصف يعلو فوق المنازل، وحصار يطوّق المدنيين داخل تفاصيل الخوف والانتظار، في هذا المشهد الذي يتداخل فيه الدمار مع الصدمة، وجد رفيق حمدي ياسين نفسه مع ابنه عبد الكريم، الطفل المصاب بالتوحد، أمام واقع مختلف تمامًا عمّا كان يتوقعه عند خروجه من منزله.
كانت الخطوة الأولى تبدو بسيطة؛ العودة إلى البيت بعد حديث عن انسحاب الآليات، لكن تلك الخطوة سرعان ما تحولت إلى بداية مسار ثقيل، تداخلت فيه أصوات القصف مع مشاهد الحصار، وانقطعت فيه سبل الحركة، لتبدأ سلسلة من الأحداث المتسارعة التي يقول إنها نقلت حياته وابنه إلى دائرة مغلقة من الخوف وعدم اليقين.
وبينما كان حي الزيتون، الذي يقطنه ياسين، يعيش على وقع العمليات العسكرية، كان الأب وابنه يخوضان تجربة أشد قسوة، إذ تحولت رحلة العودة إلى المنزل إلى مسار طويل من الحصار والاحتجاز والتنقل القسري، انتهى بانقطاع التواصل بينهما، في مشهد لا تزال آثاره تلاحقهما حتى اليوم.

يقول رفيق ياسين، في حديث لمراسل "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية"، إنه عاد إلى منزله مع ابنه عبد الكريم بعد حديث عن انسحاب آليات الاحتلال من المنطقة، لكنه فوجئ بعودة الدبابات إلى محيط المكان، ما أدى إلى محاصرته داخل المنزل مع عدد من الجيران، وسط انتشار القناصة وصعوبة الحركة أو الخروج.
ويضيف أن المنزل تعرّض لاحقًا للقصف، قبل أن يتم اعتقاله هو وابنه عبد الكريم من قبل قوات الاحتلال، رغم محاولته التعريف بنفسه للجنود أنه مواطن مدني، والتأكيد على أن ابنه يعاني من مرض التوحد.

وفي مرحلة يصفها بأنها من أشد مراحل المعاناة، يقول ياسين إن قوات الاحتلال اقتحمت المنزل واعتقلته مع عدد من جيرانه، قبل أن تستخدمهم كدروع بشرية لمدة ثمانية أيام، تنقلوا خلالها بين عدة مناطق وسط العمليات العسكرية شاهد خلال تلك الفترة عمليات دهس لمواطنين أحياء بواسطة جنازير الدبابات الإسرائيلية، إلى جانب مشاهد قتل ودمار لا تزال عالقة في ذاكرته.
ويشير إلى أن ابنه عبد الكريم، الذي يعاني من مرض التوحد ونوبات صحية متكررة، واجه ظروفًا بالغة الصعوبة خلال تلك الفترة، دون مراعاة لوضعه الصحي، وهو ما ضاعف من معاناة الأب الذي لم يكن يملك القدرة على حمايته أو تقديم أي مساعدة له.
وبعد انتهاء تلك المرحلة، يقول ياسين إنه نُقل إلى معتقل "سدي تيمان"، حيث احتُجز لمدة شهرين، وتعرض خلالهما، للتعذيب والضرب والشبح وسوء المعاملة.

وخلال فترة اعتقاله، أُفرج عن ابنه عبد الكريم، ونُقل مع إحدى العائلات النازحة إلى جنوب قطاع غزة، دون أن يكون الأب على علم بمصيره أو بمكان وجوده، وفي المقابل، انقطعت أخبار رفيق عن عائلته، ما دفعها إلى الاعتقاد بأنه استشهد، قبل أن تتفاجأ بعد شهرين بالإفراج عنه وعودته حيًا.
ويقول ياسين إن أصعب ما عاشه خلال فترة اعتقاله لم يكن ما تعرض له داخل السجن فحسب، بل جهله الكامل بمصير ابنه، إذ لم يكن يعلم إن كان لا يزال على قيد الحياة أم أنه فقده إلى الأبد.
وتبقى شهادة رفيق ياسين واحدة من عشرات الروايات التي توثق معاناة المدنيين في قطاع غزة، وما تعرضوا له خلال الحرب من تجارب قاسية تركت آثارًا عميقة على الناجين وعائلاتهم، ولا سيما الأطفال الذين وجدوا أنفسهم في قلب الأحداث.



