تقرير ذهب غزة الأسود: كيف يواجه الغزيون حظر الأسمدة بـ "التدوير المنزلي"؟

الساعة 03:13 م|25 يونيو 2026

فلسطين اليوم- غزة

في ظل معركة البقاء التي يخوضها قطاع غزة، لم تعد الحرب تقتصر على القصف والدمار، بل امتدت لتطال لقمة العيش وقوت اليوم عبر حصار خانق يستهدف القطاع الزراعي بشكل مباشر.

ومع استمرار إغلاق المعابر ومنع دخول المواد الأساسية، يواجه المزارعون والغزيون حرباً صامتة عنوانها "تصحير التربة"، إثر القرار الإسرائيلي الصارم بمنع إدخال الأسمدة الزراعية الكيميائية بشتى أنواعها تحت ذريعة "الاستخدام المزدوج".

ومن رحم هذه المعاناة، وفي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الخضراوات والزراعات المنزلية والمحيطة بمراكز الإيواء، برزت الحاجة الملحة إلى إيجاد بدائل محلية ومستدامة، حيث انطلقت مبادرات ومحاولات شعبية واسعة للاستفادة من مخلفات الطعام المنزلية وتحويلها إلى سماد عضوي طبيعي (كومبوست)، في خطوة تعكس إصرار الغزيين على تحويل الأنقاض والمخلفات إلى موارد إنتاجية تدعم صموده.

وفي هذا السياق، يقدم متخصصون زراعيون ورؤى هندسية دليلاً عملياً للمواطنين لكيفية التعامل مع هذا الواقع، حيث أوضح المهندس الزراعي ايهاب طه أن غياب الأسمدة الزراعية دفع للبحث عن بدائل لتسميد الزراعة.

ولفت المهندس طه في حديث ل "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية" الى أن فكرة "الكومبوست" المنزلي ليست مجرد إعادة تدوير، بل هي إعادة إحياء للنظام البيئي الزراعي داخل غزة بجهود ذاتية.

وأوضح أن العملية تعتمد  أساساً على جمع المخلفات العضوية المتوفرة بكثرة في المنازل والأسواق، وخاصة مخلفات الخضراوات والفواكه مثل قشور البطاطس، البندورة، الخيار، والكوسا، وغيرها من البقايا النباتية القابلة للتحلل".

وأشار إلى أن هذه المخلفات بالتحديد تعد من أسرع المواد تحللاً؛ نظراً لاحتوائها على نسبة عالية جداً من الرطوبة والعناصر الغذائية الضرورية التي يحتاجها النبات كبديل مباشر للمركبات الكيميائية المحظورة.

ونوه طه إلى أن عملية إنتاج "الكومبوست" ليست آنية، بل تتطلب صبراً ومتابعة مستمرة، وتستغرق عادة من شهرين إلى ثلاثة أشهر، ويتوقف ذلك على درجة الحرارة المحيطة، ونسبة الرطوبة، ومدى الانتظام في عمليات التقليب والتهوية.

وقال": "يمكن للمزارع أو المواطن التعرف على نضج السماد وصلاحيته للاستخدام عندما يتحول بالكامل إلى مادة داكنة اللون تشبه التربة الهشة، ذات رائحة ترابية طبيعية نفاذة، مع اختفاء معالم ومظاهر المخلفات الغذائية الأصلية بشكل شبه كامل.

وعن الطريقة الأسهل والأكثر أماناً لإنتاج هذا "الذهب الأسود" منزلياً في ظل شح الإمكانيات، يشير المهندس طه إلى أنها تتم عبر خطوات بسيطة وهي:

  • وضع المخلفات العضوية الرطبة في حاوية برميلية أو حفرة مخصصة في حديقة المنزل أو بجانب الخيمة.
  • إضافة مواد جافة فوق المخلفات الرطبة، مثل القش، أو الأوراق الجافة، مع دمج "سماد الدجاج والحمام" بنسب محسوبة لرفع كفاءة النتروجين.
  • المحافظة على التقليب الدوري للحفرة أو الحاوية لضمان دخول الأكسجين، مع الحفاظ على نسبة رطوبة متوازنة (رشات خفيفة من الماء).

وأكد المهندس طه أن هذا التوازن الدقيق بين المواد الرطبة (المخلفات الخضراء) والمواد الجافة (المخلفات البنية) يلعب دوراً حاسماً في منع انبعاث أي روائح كريهة، ويحد بشكل كامل من جذب الحشرات أو الذباب إلى محيط المنازل ومراكز الإيواء.

وأكد المهندس طه أن "الكومبوست" المنتج محلياً أثبت فعالية عالية جداً تفوقت في بعض الأحيان على الأسمدة الكيميائية؛ حيث ساهم في تحسين بنية التربة الرملية والطينية في غزة، وزاد من قدرتها على الاحتفاظ بالمياه لفترات أطول—وهو أمر حيوي في ظل أزمة المياه الخانقة. كما وفر للمزروعات المنزلية مثل الورقيات، البندورة، والباذنجان، العناصر الأساسية للنمو.

وتشير معطيات رسمية إلى أن الاحتلال يسيطر في الوقت الحالي على أكثر من 63 % من مساحة الأراضي الزراعية في القطاع، ويفرض حصارا مشددا يمنع دخول مدخلات الإنتاج.

كما أقدم الاحتلال على تدمير واقتلاع نحو 4 ملايين شجرة مثمرة منذ بدء الحرب، مما أدى إلى مسح حقول كاملة من الزيتون والحمضيات، وتحويل غزة من قطاع يمتلك اكتفاء ذاتيا في الخضراوات إلى منطقة تعاني مجاعة حقيقية.

وتشير بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى أن الاحتلال دمر أكثر من 94% من الأراضي الزراعية البالغة مساحتها نحو 178 ألف دونم، مما أدى إلى انهيار الإنتاج الزراعي من 405 آلاف طن سنويا إلى نحو 28 ألف طن فقط.

كما تؤكد تقارير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، (الفاو) أن المساحات المتاحة للزراعة انخفضت إلى أقل من 5% بعد الحرب، بينما أصبحت معظم الأراضي الزراعية مدمرة أو يتعذر الوصول إليها، وفق ما أعلنته وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الاونروا في أكتوبر/تشرين الأول 2025.