تحولت الأسواق في قطاع غزة من مراكز نابضة بالحياة إلى مساحات شاحبة يخيم عليها السكون، فبين ممرات الأسواق التي تكدست فيها البضائع وغاب عنها المشترون، تتبدى ملامح أزمة اقتصادية هي الأشد فتكاً بالقدرة الشرائية للسكان منذ عقود.
ولم يعد الكساد مجرد تراجع عابر في المبيعات، بل تحول إلى ركود هيكلي خانق يدفع بآلاف الأسر إلى حافة مجاعة صامتة.
في جولة ميدانية لمراسلة وكالة فلسطين اليوم الإخبارية بين أزقة الأسواق، ظهر الحاج أبو طارق، صاحب بسطة للمواد التموينية، يتكئ على طاولة خشبية فارغة من الزبائن وممتلئة بالبضائع التي يهددها التلف.
يقول أبو طارق وعلامات الإحباط تكسو وجهه: "الأسواق مكدسة بكل شيء، من الخضار إلى الملابس، لكن الجيوب فارغة تماماً.. يمر الناس من أمام البسطة، ينظرون إلى الأسعار، ثم يكملون طريقهم بحسرة".
وتابع يقول: "في السابق كنا نشتكي من نقص البضائع، اليوم البضائع موجودة لكن لا أحد يملك القدرة على الشراء، الغلاء الفاحش التهم كل شيء، ومعدلات البيع انخفضت بأكثر من 80% مقارنة بالفترات السابقة".
على المقلب الآخر، تعكس شهادة المواطنة أم أحمد، وهي أم لأربعة أطفال، عمق المأساة من وجهة نظر المستهلك، حيث تقول وهي تبحث عن السلع الأقل سعراً والأقرب لانتهاء الصلاحية لتوفير وجبة يومها: "الرواتب مقطوعة أو مجزأة، والمساعدات لا تكفي، وفرص العمل انعدمت تماماً، دخلنا في مرحلة المفاضلة بين الأساسيات؛ نشتري الطحين والماء ونلغي اللحوم والفواكه من قاموسنا".
ولفتت إلى أن الأسعار تضاعفت بشكل جنوني، و أن القدرة الشرائية باتت تحت الصفر، و أصبحنا نعيش بيومنا، وكل تفكيرنا ينصب على كيفية البقاء على قيد الحياة فقط".
أسباب لا تعد لركود الأسواق في القطاع المحاصر والمنهك أصلا من تداعيات حرب الإبادة التي ما زالت مستمرة منذ اكتوبر 2023، ولم تتوقف تلك الأسباب عند حدود الفقر والبطالة؛ بل برزت في الآونة الأخيرة معضلة نقدية معقدة عمّقت الجرح الاقتصادي.
ويوضح المحلل الاقتصادي، أحمد أبو قمر، أن أسباب الركود متعددة ومترابطة، مشيراً إلى أن أزمة "الشيكل الخامل" تفاقم الأزمة بشكل خطير.
ويشرح أبو قمر في حديث ل "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية " خطورة هذا المؤشر قائلاً: "أزمة الشيكل الخامل في غزة تحولت من مجرد مشكلة نقدية إلى مؤشر خطير في ظل تعطل جزء من الدورة الاقتصادية، فعندما يفقد النقد قدرته على التداول، رغم احتفاظه بقيمته الاسمية، فإن ذلك يعني عملياً تراجع كفاءة السوق وتآكل القوة الشرائية للسكان".
ويضيف أبو قمر أن المشكلة الحقيقية تكمن في تعطل وظيفة النقد الاقتصادية وليس في نقصه فقط، "فعندما يضطر المواطن إلى بيع أمواله بأقل من قيمتها أو يعجز عن استخدامها في شراء احتياجاته الأساسية، تتحول العملة من وسيلة للتبادل إلى عبء اقتصادي".
ومع اتساع رفض بعض الفئات النقدية وتراجع القدرة على استبدال الأوراق التالفة أو القديمة، باتت شريحة واسعة من الأموال خارج الدورة الاقتصادية الفعلية، وفقا للمحلل الاقتصادي.
ونوه ابو قمر إلى النتيجة الكارثية لهذه الظاهرة، وهي ظهور سوق موازية تُباع فيها النقود بأقل من قيمتها الحقيقية، حيث تصل خسائر بعض المواطنين إلى 60% من قيمة أموالهم، "في هذه الحالة تصبح العملة نفسها سلعة تباع وتشترى، وهو وضع يعكس خللاً عميقاً في المنظومة النقدية".
وإلى جانب أزمة السيولة والنقد الخامل، يشير أبو قمر إلى أن انتشار الفقر والبطالة بين سكان قطاع غزة بمستويات غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار بشكل كبير، قد أجهز تماماً على القوة الشرائية، مشيرا إلى أن الأسواق تعيش حالة انفصام؛ عرض وافر يقابله طلب منعدم نتيجة لعدم توفر الدخل الثابت لغالبية العائلات، مما جعل الدورة التجارية تتوقف عند نقطة الصفر.
ويحذر أبو قمر من التداعيات المستقبلية لاستمرار هذا الوضع، مؤكداً أن "استمرار هذه الظاهرة يعني مزيداً من الركود، وضعف النشاط التجاري، وتآكل المدخرات المحدودة للأسر، في وقت يعاني فيه الغزيون أصلاً من مستويات غير مسبوقة من الفقر والبطالة".
وشدد على أن معالجة أزمة "الشيكل الخامل" وإعادة ضخ النقد الصالح للتداول يمثلان أولوية اقتصادية واجتماعية تستدعي تدخلاً عاجلاً لإعادة الثقة بالنقد وإعادته إلى الدورة الاقتصادية الطبيعية قبل الانهيار الشامل.
وتعكس أسواق قطاع غزة واقعاً إنسانياً واقتصادياً مشلولاُ، فبين تاجر يخشى الإفلاس ومواطن يعجز عن تأمين قوت يومه، تظل الحلول الاقتصادية رهينة برفع الحصار، وفتح المعابر، وإعادة إدخال السيولة النقدية وضبط الأسواق، وبدون تدخل عاجل، ستبقى لغة الركود والكساد هي السائدة، لتلتهم ما تبقى من صمود المواطنين.