وصف رئيس إقليم أرض الصومال "صوماليلاند"، عبد الرحمن محمد عبد الله المعروف بــــ"عرو"، زيارته إلى الكيان الصهيوني التي استمرت من 14-18 حزيران/يونيو الجاري، بأنها "لحظة تاريخية" تمثّل انطلاقة "فصل جديد" في علاقات الإقليم مع المجتمع الدولي، وخاصة مع "إسرائيل" التي كانت أول من اعترف بأرض الصومال "دولة مستقلة ذات سيادة" في 26 كانون الأول/ديسمبر 2025.
وشكّلت هذه الزيارة منعطفاً مهماً في هندسة التوازنات الأمنية والسياسية في القرن الأفريقي وحوض البحر الأحمر، إذ تُعدّ أول ترجمة عملية ومباشرة لقرار الاعتراف الإسرائيلي، وتطوي الزيارة عقوداً من العلاقات السرية بين الجانيين، وتؤذن ببروز تحالف استراتيجي جديد يعيد صياغة الخريطة الجيواستراتيجية في هذه المنطقة المعروفة بأهميتها الاستثنائية.
في الفضاء الذي صنعته سنوات من التعاون السرّي وعزّزه الاعتراف المتبادل بين هرجيسيا و"تل أبيب"، تتلاقى المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية، ضمن سياق شديد التعقيد.
فمن جانبه يسعى إقليم أرض الصومال إلى توظيف موقعه المطلّ على أحد أخطر الممرات المائية في العالم، كورقة مساومة دولية للحصول على الاعتراف به دولة مستقلة عن الدولة الأم، بعد انفصاله عنها عام 1991، وظلت هرجيسيا تبحث طوال هذه العقود عن شريك دولي يمنحها اعترافاً تفتتح به مزاد الاعترافات الدولية.
في المقابل، رأت "تل أبيب" في الإقليم بوابة خلفيّة إلى البحر الأحمر وباب المندب، بعد أن فاجأتها التحوّلات الاستراتيجية في مناصرة أنصار الله لغزة إبان طوفان الأقصى، والتي شكّلت تهديداً استراتيجياً لها وزادت من أهمية السواحل الأفريقية، فقدّمت ورقة الاعتراف لتشتري به موطئ قدم في سواحل الصومال الممتدة قبالة المضائق المائية الحيوية، وفي قلب منطقة تشهد تنافساً إقليمياً ودولياً محتدماً.
ويمثّل هذا "الموطئ" نقطة ارتكاز متقدّمة للكيان الصهيوني لمواجهة الدور اليمني والنفوذ الإيراني، ولتأمين خطوط الإمداد البحري، فضلاً عن تمكين الشركات الإسرائيلية من الثروات الطبيعية والمعدنية البكر التي يزخر بها الإقليم. وتنطوي هذه المقاربة على تحقيق سياسات حاكمة للعقيدة الأمنية الإسرائيلية المتمثّلة في تفكيك الكتل الإقليمية الكبرى في المنطقة وإضعاف المركز الاتحادي في مقديشو، والانتقال إلى خطة تقسيم الصومال وانتزاع بعض أقاليمه كما فعلت بريطانيا عام 1955 حين انتزعت منه إقليم الصومال الغربي وأضافته لأثيوبيا.
في خطوة تجاوزت كلّ الخطوط الحمر، توّج عبد الرحمن عرو زيارته بافتتاح سفارة له في قلب مدينة القدس المحتلة، وتحديداً داخل مجمّع التقنيات في منطقة "هار حوتسيم".
وضعت هذه الخطوة الإقليم الانفصالي في منصة واحدة مع دول قليلة اتخذت من القدس مقرّاً لبعثاتها الدبلوماسية، وهو ما يمثّل انحيازاً كاملاً لرواية "إسرائيل" حول المدينة المقدّسة "زهرة المدائن". وقد تجاوز عبد الرحمن عرو بذلك كلّ الأبعاد السياسية، واصطدم بشكل مباشر بالوجدان الروحي والديني للشعب الصومالي وعموم الشعوب الإسلامية.
حظيت الزيارة باهتمام بروتكولي يعكس الأهمية التي توليها "تل أبيب" لهذا الاختراق الجيوسياسي، إذ استقبل رئيس الكيان إسحاق هرتسوغ عبد الرحمن عرو، كما استقبله رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزراء الخارجية والدفاع والاقتصاد.
عقب زيارته للكنيست، سجّل عرو زيارة للمتحف الإسرائيلي، وألقى خطاباً استدعى فيه جذور العلاقات التي تعود للعام 1960، حين اعترفت "إسرائيل" وقتذاك باستقلال الإقليم لفترة وجيزة، معرباً عن تطلّعه أن تحذو دول أخرى حذو "تل أبيب"، وأشار إلى الاتصالات الجارية مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فضلاً عن العلاقات القائمة مع دولة الإمارات العربية وإثيوبيا وكينيا، واعداً بتدشين رحلات جوية مباشرة بين هرجيسيا و"تل أبيب" قريباً.
أثمرت هذه اللقاءات عن حزمة من الاتفاقات والتفاهمات الاستراتيجية الموزّعة على محاور سياسية وعسكرية واقتصادية وإنسانية.
ففي الشقّ الدبلوماسي، أعلن "عرو" عن رغبة بلاده في الانضمام الكامل إلى الاتفاقيات الإبراهيمية لترسيخ اندماج الإقليم في المنظومة الإقليمية الجديدة التي تقودها أميركا و"إسرائيل".
وعلى الصعيد الأمني والعسكري، انتقل التنسيق الاستخباري السري بين الجانبين إلى العلن، ليركّز على الممرات المائية، ومواجهة التهديدات اليمنية والإيرانية، والتوسّع في التدريب الأمني والعسكري، وفتح الباب أمام بناء قاعدة عسكرية إسرائيلية على الساحل الصومالي.
أما على الصعيد الاقتصادي والاستثماري، فقد شهدت الزيارة إطلاق أول منتدى أعمال مشترك في "تل أبيب" بمشاركة واسعة من كبريات الشركات ورجال الأعمال الإسرائيليين. وعرضت إدارة الإقليم منح الشركات الإسرائيلية حقوقاً تفضيلية وحصرية في قطاعات: التنقيب عن النفط والغاز، والمعادن، واستغلال الثروة السمكية. كما تمّ التوافق على نقل التكنولوحيا الإسرائيلية في مجالات تحلية المياه والري والأمن السيبراني.
وإلى جانب كلّ ذلك،سلّط "عبد الرحمن عرو" الضوء على ميناء بربرة كنافذة لوجيستية لدول شرق أفريقيا الحبيسة، ولا سيما أثيوبيا.
ولم يغب البعد الإنساني، إذ شملت التفاهمات إجراء عمليات جراحية لأطفال أرض الصومال في المستشفيات الإسرائيلية، في مسعى ممنهج لاستخدام القوة الناعمة في "كيّ الوعي" وكسب التعاطف.
سُجّلت حالات تنديد واسعة بزيارة "عبد الرحمن عرو" إلى "تل أبيب"، فقد رصدت إدانات من الرئاسة الصومالية في مقديشو، ومن جامعة الدول العربية، والاتحاد الأفريقي، ومن دول عربية وإسلامية، عارضت بشكل خاصّ فتح سفارة في القدس.
أما على المستوى الداخلي لأرض الصومال، فقد تسبّبت الخطوة في بروز تصدّعات ونقاشات حادّة داخل النسيج السياسي والاجتماعي؛ حيث أعربت شخصيات سياسية بارزة من بينها رئيس الإقليم السابق موسى بيحي عبدي، عن مخاوفها من تداعيات فتح سفارة في القدس، وقد رأى عبدي في ذلك مخالفة للمبادئ الدستورية للإقليم التي تنصّ على منع الإضرار بمصالح المسلمين.
وحذّرت أطراف محلية من التطبيع الذي يفتقد التأييد الشعبي، وأبدت خشيتها من أن يؤدّي إلى إشعال صراعات وانقسامات عشائرية، خصوصاً في ظلّ حملة الاعتقالات التي تشنّها سلطات هرجيسيا ضدّ النخب السياسية والثقافية والروحية المعارضة للتطبيع.
يُنذر الاعتراف المتبادل بين "إسرائيل" وأرض الصومال بتداعيات جيواستراتيجية بالغة الخطورة، فصّلها مقالنا السابق الموسوم بــــــ : "أرض الصومال والنفوذ الإسرائيلي في الساحل الشرقي لأفريقيا"، ويمكن إيجاز تلك التداعيات في:
- تعزيز النفوذ الإسرائيلي في البحر الأحمر الذي تقول عنه الميثيولوجيا الصهيونية أنه بحر داوود وسليمان.
- التهديد الوجودي لوحدة وتماسك دولة الصومال، عبر ترسيخ الانفصال وتشجيع أقاليم أخرى على التمرّد.
- تفخيخ الاستقرار الأفريقي وفتح الباب أمام تدويل الصراعات الداخلية.
- تقويض الأمن القومي العربي بتمدّد النفوذ الصهيوني ومحاصرة الوطن العربي.
- تهديد المصالح الاستراتيجية التركية في القرن الأفريقي.
- هندسة القرن الأفريقي ورسم خرائط نفوذ جديدة لصالح المشروع الصهيو-أميركي
أمام هذه المعطيات المتسارعة والمخاطر الداهمة، المطلوب مواجهة الاختراق الإسرائيلي وبشكل فوري باستراتيجية عمل موازٍ تتجاوز أنماط الأداء التقليدي غير المجدي، وتؤسّس لمقاربة "سداسية مشتركة" تضمّ الأطراف الأكثر تأثّراً بهذا الاختراق الخطير. وأكثرها قدرة على مواجهته، وفي مقدّمتها: الصومال والسعودية واليمن ومصر وإيران وتركيا.
وترتكز هذه الاستراتيجية على حشد فاعل ومبتكر لعناصر القوة الذاتية التي تتوفّر عليها تلك الأطراف، ولا سيما في تعاملها مع الدول الكبرى والعظمى التي ترى في النفوذ الإسرائيلي والأميركي في المنطقة تهديداً مباشراً لمصالحها ونفوذها.
كما تستند هذه الاستراتيجية إلى تعبئة المنظّمات الإقليمية والدول الأعضاء فيها، في إطار تكامل إقليمي شامل يهدف إلى إبطال المشروع الإسرائيلي وما يرتبط به من مشاريع إقليمية ودولية مناوئة، بما يكفل حفظ سيادة الصومال، وبما يؤمّن المصالح الاستراتيجية للدول الست في القرن الأفريقي وخليج عدن والبحر الأحمر، ويعزّز أمنها الجماعي.