حتى البحر تغيّر… شاطئ غزة آخر محاولات الناجين من الإبادة

الساعة 04:00 م|20 يونيو 2026

فلسطين اليوم

لم يعد أمام سكان قطاع غزة الكثير من الخيارات للهروب من قسوة الحياة التي فرضتها ثلاث سنوات من الحرب، فمع اختفاء معظم مظاهر الترفيه وتدمير المرافق السياحية، تحول شاطئ البحر إلى الوجهة الوحيدة لمئات آلاف النازحين وسكان المنازل المدمرة، الذين يقصدونه يوميًا بحثًا عن فسحة تمنحهم وأطفالهم بعض الراحة بعيدًا عن أجواء الحرب.

لكن حتى هذا المتنفس لم يعد متاحًا للجميع، في ظل محدودية أماكن الجلوس المتبقية على الشاطئ وارتفاع أسعارها، ما جعل قضاء ساعات قليلة أمام البحر عبئًا إضافيًا على عائلات أنهكتها سنوات الحرب والأزمات المعيشية.

وبين زرقة البحر التي تمنح الأطفال لحظات من الفرح، وواقع النزوح والدمار الذي يلاحق ذويهم، باتت أبسط أشكال الترفيه حلماً صعب المنال، في مشهد يعكس كيف غيّرت الحرب تفاصيل الحياة اليومية في قطاع غزة، حتى أصبح البحر الملاذ الأخير لسكانه.

ملاذنا من حرّ الخيام

السيدة أم محمد، التي فقدت زوجها خلال الحرب، لم تجد ملاذًا لها ولأبنائها من حرارة الخيام الخانقة سوى شاطئ بحر غزة، الذي بات المتنفس الوحيد للعائلة في ظل غياب أي بدائل ترفيهية أو أماكن يمكن أن تخفف من وطأة الحياة اليومية، تقول:" الخيمة أصبحت لا تُحتمل، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة، ولا يوجد مكان نلجأ إليه سوى البحر".

وتضيف الأربعينية التي افترشت شاطئ بحر غزة، في حديثها لـ"مراسل وكالة فلسطين اليوم الإخبارية": "نقضي ساعات النهار هنا هربًا من الحر الشديد داخل الخيمة، فالأطفال لا يستطيعون البقاء فيها طوال الوقت، ولم يعد لدينا بيت، فالخرسانة كانت تمتص حرارة الصيف، أما اليوم فلا مكان نذهب إليه، والبحر هو الملاذ الوحيد الذي يمنحنا بعض الراحة ولو لساعات قليلة".

وتتابع أم محمد حديثها وهي تنظر إلى أطفالها الذين يلعبون على رمال الشاطئ:" لم نعد نبحث عن رفاهية أو ترفيه، كل ما نريده أن ينسى الأطفال الخوف والحر والخيام لبعض الوقت. البحر لم يعد مكاناً للنزهة، بل أصبح مكاناً للهروب من واقع لا يُحتمل داخل الخيام".

IMG_8923.JPG
 

وقبل الحرب، كان شاطئ غزة يعج بالكافيهات والاستراحات والمطاعم والمنتجعات السياحية، التي كانت توفر خيارات متنوعة للعائلات بأسعار متفاوتة، إلى جانب الحدائق العامة والأماكن الترفيهية المخصصة للأطفال.

أما اليوم، فقد أدت الحرب إلى تدمير معظم المنشآت السياحية والاستراحات المطلة على البحر، ولم يبقَ سوى عدد محدود منها يعمل بإمكانات متواضعة، ما تسبب في اكتظاظ الشاطئ وارتفاع أسعار الخدمات والجلسات، في وقت تعاني فيه غالبية الأسر من ظروف اقتصادية ومعيشية صعبة.

فقدنا البحر القديم

الحاج أبو أحمد (52 عاماً)، من سكان جباليا، كان اعتاد قبل الحرب اصطحاب عائلته إلى شاطئ بحر غزة لقضاء أوقات من الراحة والترفيه بين الكافيهات والاستراحات المنتشرة على امتداد الساحل، حيث كانت الأجواء مختلفة تماماً عن واقع اليوم، وتتوفر خيارات متعددة بأسعار مناسبة للعائلات، يقول:" قبل الحرب كان شاطئ غزة مختلفاً تماماً، كنا نأتي مع العائلات والأطفال ونقضي أوقاتاً جميلة بين الكافيهات والاستراحات والمطاعم، كانت هناك خيارات كثيرة وأسعار مناسبة للجميع، وكان المكان يعج بالحياة".

ويضيف أبو أحمد لمراسلنا:" أما اليوم فلم يتبقَ سوى القليل من الاستراحات التي تعمل بإمكانات بسيطة، والشاطئ أصبح مزدحماً بشكل كبير، وحتى الجلوس فيه بات مكلفاً على كثير من العائلات التي فقدت مصادر دخلها بسبب الحرب".

"وقد أدت الحرب إلى تدمير معظم الكافيهات والاستراحات المطلة على شاطئ بحر غزة، ما تسبب في محدودية كبيرة في الأماكن المتبقية وارتفاع واضح في أسعار الجلسات والخدمات"

IMG_8915.JPG.jpeg

وفي أحد الكافيهات القليلة التي ما زالت تعمل على شاطئ البحر قرب مسجد الخالدي شمالي قطاع غزة، يوضح أيمن الحواجري، صاحب أحد الكافيهات العاملة هناك، أسباب هذا الارتفاع في الأسعار، قائلاً:" الوضع الحالي مختلف تماماً عما كان قبل الحرب، فمع تدمير معظم الكافيهات وانتشار خيام النازحين على شاطئ البحر أصبح عدد الأماكن محدوداً جداً، كما ارتفعت تكاليف التشغيل بشكل كبير سواء في توفير المواد الأساسية أو حتى صعوبة إدخال المستلزمات، وهذا كله انعكس على الأسعار بشكل مباشر".

ويضيف لمراسلنا: نحن نحاول قدر الإمكان مراعاة ظروف الناس، لكن في النهاية هناك ارتفاع كبير في التكاليف وقلة في الموارد، وهذا ما يفرض علينا هذه الأسعار، مبيناً "الوضع ليس كما كان سابقاً، وكل شيء أصبح أصعب بكثير سواء علينا أو على الزبائن".

ورغم الدمار الذي طال كل تفاصيل الحياة، يبقى شاطئ البحر في قطاع غزة الوجهة الوحيدة المتاحة أمام آلاف العائلات، في ظل غياب البدائل الترفيهية وتفاقم الأوضاع المعيشية، ليغدو المكان مساحة مؤقتة لالتقاط الأنفاس وسط واقع يزداد قسوة يوماً بعد يوم.

كلمات دلالية