في خيمة نزوح صغيرة بمدينة دير البلح، تجلس الشابة أمل (23 عاماً) وهي تقلب بضع أوراق نقدية من فئة "الشيكل"، هي كل ما لديها من مهرها الذي تسلمته قبل أسابيع.
كانت أمل تحلم، كأي فتاة في سنها، بأن تتوجه إلى سوق الذهب لتختار "شبكتها" التي تُمثل فرحة العمر، وضماناً مستقبلياً يُعرف محلياً بـ "الزينة والخزينة"، لكن فرحتها اصطدمت بواقع أسواق الذهب في قطاع غزة، والتي باتت تشهد قفزات جنونية تخالف تماماً مؤشرات البورصة العالمية.
تقول أمل بغصة لمراسلة "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية": "المهر الذي كان يكفي في السابق لشراء طقم ذهب كامل وممتلئ، لم يأتِ لي اليوم سوى بـ دبلة ومحبس وخاتم صغير كاد يلتهم نصف المهر... شعرت بصدمة كبيرة، فالذهب طار في غزة، والأسعار نار لا ترحم أحداً".
وفي وقت تسجل أسواق الذهب العالمية انخفاضات وتراجعات ملحوظة بين الحين والآخر، تصر "بورصة غزة المحلية" على التغريد خارج السرب، حيث تحافظ الأسعار على مستويات قياسية غير مسبوقة، هذه المفارقة تسببت في حالة من الذهول والركود الاقتصادي والاجتماعي، خاصة لدى الشبان المقبلين على الزواج في ظل ظروف اقتصادية بالغة التعقيد جراء استمرار الحرب والحصار.
يقول الشاب يوسف (27 عاماً)، الذي يعمل في مهنة حرة بالكاد توفر قُوته اليومي: "تأجل زواجي مرتين بسبب تكاليف المعيشة، والآن أقف عاجزاً أمام شرط الذهب، حاولت إقناع أهل خطيبتي بتأجيل شراء الذهب، كحل مؤقت لحين ميسرة، لكن العادات والتقاليد، وخوفهم من كلام الناس، شكّلا عائقاً كبيراً، إذ أن الغلاء في غزة لم يعد يرحم أحلام الشباب".
وحول سبب هذا الغلاء في أسعار الذهب، واختلاف الاسعار عن باقي اسواق العالم، تحدث مراسلة "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية" مع المحلل والخبير الاقتصادي، أحمد أبو قمر، الذي بدوره أشار إلى أن ارتفاع أسعار الذهب مرتبط بالاوضاع الاقتصادية وتبعات الحرب والحصار المفروض على قطاع غزة.
وأوضح أبو قمر بأن هناك حالة عدم اليقين الاقتصادي والمصرفي يعيشها قطاع غزة منذ اندلاع الحرب، حيث أصبح الذهب أحد أبرز أدوات حفظ القيمة بالنسبة للمواطنين، بعد تراجع الثقة بالقطاع المصرفي وصعوبة الوصول إلى السيولة النقدية.
ويشير العاملون في سوق المعدن الأصفر إلى أن حجم الطلب على الشراء يفوق عمليات البيع بشكل ملحوظ، رغم تدهور الأوضاع المعيشية، ما يعكس توجه الأسر لتحويل مدخراتها من الأموال النقدية إلى الأصول المادية الأكثر استقرارا.
و نوه المحلل الاقتصادي إلى أن قطاع غزة لا يخلو من التحديات، فقد انخفض عدد مصانع وورش الذهب العاملة في غزة من 41 منشأة قبل الحرب إلى نحو 21 منشأة فقط حاليا، نتيجة الدمار ونقص المواد الخام وارتفاع تكاليف الإنتاج. كما أن الإنتاج المحلي الذي كان يغطي نحو 70% من احتياجات السوق قبل الحرب تراجع بشكل كبير، ما ساهم في زيادة تكاليف "المصنعية" وارتفاع الأسعار النهائية على المستهلك.
وبحسب ابو قمر، فإن من المؤشرات المهمة أيضا استمرار أزمة الدينار الأردني داخل القطاع -وهي عملة شراء الذهب في غزة-، رغم أن سعر صرفه يبلغ حاليا نحو 4.13 شواكل للدينار الواحد، في ظل صعوبة تداوله وتصريفه بسبب إغلاق المعابر وتراجع حركة التجارة.
وتظهر المؤشرات وفقا للمحلل أبو قمر إلى أن الذهب تحول إلى أداة للتحوط من المخاطر المالية والمصرفية ولم يعد مجرد سلعة استهلاكية في غزة، في وقت تتراجع فيه البدائل الاستثمارية والادخارية التقليدية.
وأمام هذا الواقع المرير، بدأت بعض العائلات في غزة تتخلى مرغمةً عن الشروط التقليدية، فباتت تقبل بـ "دبلة وخاتم" كحد أدنى لإتمام الزواج، فيما لجأت عائلات أخرى إلى توثيق قيمة الذهب "كقيمة مالية مكتوبة في عقد الزواج (المؤخر)" دون شرائه فعلياً، رأفةً بحال الشباب.
لكن بالنسبة لآلاف العرائس في القطاع، تبقى غصة غياب "الشبكة" تفصيلاً مؤلماً يضاف إلى سلسلة طويلة من الأحلام المؤجلة والمفقودة، في بقعة جغرافية يطير فيها كل شيء تحليقاً في السماء، عدا القدرة الشرائية لمواطنيها التي تواصل الانخفاض.