انقلاب في الشرق الأوسط أم نزيف استراتيجي؟

الساعة 12:00 م|18 يونيو 2026

فلسطين اليوم | الكاتب محمد جرادات

محمد جرادات

يتجاوز المنعطف الراهن في الشرق الأوسط، لحظة نيكسون تجاه الصين في سبعينيات القرن الماضي، وكذلك تدخل أيزنهاور في كبح العدوان الثلاثي على مصر في ستينيات القرن الماضي، لأن التفاهم الأميركي الإيراني المزمع توقيعه هذه الجمعة، يأتي في لحظة تاريخية فارقة واجهت فيها إيران أقوى دولة في العالم ومعها أقوى دولة في الشرق الأوسط، وقد انكشفت حدود قوتهما مقابل صمود إيراني صلب، لم يكشف كامل قوته، ومثال ذلك أنه لم يستخدم ورقة باب المندب على الرغم أنها كانت طوع أمره، فيما أن العدوان استخدم كامل قوته وجميع أدواته.

 

هناك في "تل أبيب" يكاد الإعلام الإسرائيلي يجمع على أن ما يجري هو انقلاب إقليمي كامل الأركان لصالح إيران على حساب "إسرائيل"، والسبب بحسب الإعلاميين ورجال النخبة الإسرائيليين ما يلي:

 

1. الانتقال الأميركي من سياسة إسقاط إيران أو إضعافها جوهرياً إلى احتوائها، وهي السياسة التي رعاها نتنياهو منذ عدة عقود حتى حازت على ما يشبه الإجماع الإسرائيلي، حتى انتظمت في هيئة خطة للتنفيذ عند الموساد، وهو ما أدخل أميركا بكامل قوتها وأدواتها الإقليمية للتحالف مع "إسرائيل" وإعلان الحرب على إيران منذ نهاية شباط حتى الآن، وكانت التوقعات داخل "إسرائيل" بأن تؤدي الضغوط العسكرية والعقوبات إلى إضعاف النظام الإيراني بصورة كبيرة، لكن الاتفاق الأميركي الإيراني المزمع اتجه نحو وقف الحرب وفتح مسار تفاوضي، ما يعني أنه اعتراف أميركي صريح وعملي ببقاء النظام الإيراني والتعامل معه وهو في أوج قوته وقد اكتسبها من صموده المذهل على الرغم من الأضرار العميقة التي لحقت به.

 

2. رفع تدريجي للضغوط الاقتصادية عن إيران، عبر تخفيف العقوبات أو الإفراج عن أموال إيرانية إلى استعادة إيران لقدراتها الاقتصادية والعسكرية على المدى البعيد، حيث يرشح أن التفاهم القادم يضمن تقديم تعويضات لإيران تحت مسمى الإعمار بمبلغ 300 مليار$، مع الإفراج عن 120 مليار $ من الأموال الإيرانية المجمدة منذ انتصار الثورة الإسلامية.

 

3. تراجع مركزية "إسرائيل" في الاستراتيجية الأميركية، لأنه منذ الثورة الإيرانية عام 1979، كان التنسيق الأميركي الإسرائيلي قائماً على اعتبار إيران الخصم الرئيسي في المنطقة، فيما أن هذا التفاهم بين واشنطن وطهران، يمثل تحولاً يجعل الولايات المتحدة أكثر استعداداً لإدارة التوازنات الإقليمية بصورة مستقلة عن الرؤية الإسرائيلية، ما يعني تغليب المصالح الأميركية بانفصال نسبي عن التأثير الإسرائيلي، وهذا يظهر بوضوح مع تفضيل التفاهم مع إيران في واقع تعززت فيه قدراتها العسكرية عبر الصواريخ البالستية التي هزمت القبة الحديدية، وواقع تعزز فيه ثقلها الاقتصادي عبر السيطرة على مضيق هرمز ومدة تأثيره في سلاسل توريد الطاقة العالمي.

 

4. استبعاد ملفات تعتبرها "إسرائيل" أساسية، وقد تركزت أو حتى انحصرت المفاوضات في الملف النووي ووقف الحرب وحرية الملاحة، بينما لا تشمل بأي صورة برنامج الصواريخ الإيراني أو قوى محور المقاومة وعلاقات إيران الإقليمية، وهو ما يشير إلى تعزيز حلقة النار حول الكيان الإسرائيلي.

 

5. خشية من عودة نموذج الاتفاق النووي لعام 2015، بل ما هو أسوأ منه، وهو الاتفاق الذي سبق أن عارضه نتنياهو نفسه ولذلك يُنظر إلى الاتفاق الجديد باعتباره تراجعاً عن سياسة "الضغط الأقصى"، ما يمثل هزيمة كاملة لمشروع نتنياهو السياسي، حتى لو تذرّع أنه حال دون امتلاك إيران للقنبلة النووية، والحقيقة التي يرددها كثير من الإسرائيليين أن القدرات النووية الإيرانية لم تتراجع مع هذه الحرب إن لم تتعزز.

 

6. إعادة تشكيل الإقليم، في ظل تهدئة عسكرية إقليمية أوسع يؤسس لها هذا التفاهم، مع انفتاح اقتصادي تدريجي على إيران، خاصة في واقع تراجع احتمالات الحرب الشاملة، وانتقال الولايات المتحدة من سياسة المواجهة إلى سياسة إدارة التوازنات.

 

أسباب جعلت بعض المعلقين الإسرائيليين يستخدمون تعبيرات مثل "الشرق الأوسط الجديد" أو "الانقلاب الاستراتيجي"، لأنهم يرون أن المنطقة قد تنتقل من مرحلة الصراع المفتوح مع إيران إلى مرحلة التعايش والتفاهم معها، بما يوقع الخليج وكثراً من البؤر الإقليمية الفاعلة تحت تأثيرها المباشر.

 

شعور الصدمة في "تل أبيب" ما زال يتفاعل، لهذا يغلب على خطاب النخب هناك إطلاق مسميات حادّة لما يحصل مثل الانقلاب أو الهزيمة وتفكك التحالف والعزلة وما شابه، لكن الأقرب للتوصيف لحال "إسرائيل" ودول النفوذ العربي والإسلامي في مواجهة الصمود الإيراني المفاجئ، وكذلك لحال أميركا وهي تسوّق تفاهمها مع إيران باعتباره يعزز مصالحها في العالم، هو توصيفه بـ (لحظة النزيف الاستراتيجي).

 

 لماذا هو نزيف استراتيجي وليس انقلاباً كلّياً؟

 

1- عبارة "الانقلاب" تفترض تغيراً شاملاً في بنية الإقليم وتحالفاته وقواعده، وهو أمر لم تتضح معالمه بعد، وغير متوقعة ضمن المدى القريب، والأقرب في تفسير الوضع الناشئ عن التفاهم الأميركي الإيراني، بأنه "نزيف استراتيجي في الحلف الأميركي الإسرائيلي" أو "تآكل تدريجي في المكاسب الاستراتيجية التي راكمها التحالف الأميركي الإسرائيلي" وهذا قد يكون أقرب إلى الواقع.

 

2- الولايات المتحدة لم تنتقل إلى التحالف مع إيران، بل إلى إدارة الصراع معها.

 

3- "إسرائيل" ما زالت الحليف الأهم لواشنطن في المنطقة، ولم تظهر قوة إقليمية حلت محلها.

 

4- التحالفات العربية الجديدة واتفاقات التطبيع لم تنهَر.

 

5- النفوذ الإيراني نفسه تعرض لاستنزاف كبير خلال السنوات الأخيرة، وبالتالي فالتفاهم لا يعني انتصاراً إيرانياً كاملاً.

 

6- لكن "تل أبيب" ترى أن بعض الأهداف التي سعت إليها، مثل عزل إيران بالكامل أو تغيير النظام أو القضاء على مشروعها الإقليمي، لم تتحقق، بينما اختارت واشنطن تسوية أقل طموحاً من الرؤية الإسرائيلية، ما يعني نزيفاً في خاصرة الحبل السري لهذه الرؤية.

 

لهذا، لو أردنا استخدام لغة التاريخ، فقد يكون المشهد ليس سقوطاً للأسطورة، بل بداية تآكل في قدرتها على فرض رؤيتها الخاصة على حليفها الأكبر، أو بصورة رمزية فإن "إسرائيل" ليست كمن استيقظ ليجد الشرق الأوسط قد انقلب رأساً على عقب، بل كمن اكتشف أن النهر الذي كان يجري في الاتجاه الذي أراده لعقود، بدأ ينحرف فجأة نحو مجرى آخر.

 

 ومن زاوية الفكر الاستراتيجي، فإن ما يقلق بعض النخب الإسرائيلية ليس أن الولايات المتحدة خسرت إيران، بل أن واشنطن انتقلت من استراتيجية الحسم والمواجهة إلى استراتيجية إدارة التوازنات والتعايش مع الخصم المركزي للكيان الإسرائيلي، وإذا ترسّخ هذا التحول وأصبح يشمل ملفات أخرى، عندها يمكن توصيف ما جرى بالـ"انقلاب في الشرق الأوسط".

 

 لهذا تصرّ إيران على ربط جبهة لبنان بالتفاهم فيما تصر "تل أبيب" على منع ذلك، إدراكاً من كليهما أن هذا الملف الساخن هو مؤشر على وجهة تداعيات التفاهم، وهي وجهة تدشن وتهيئ بطبيعتها لمرحلة الانقلاب الاستراتيجي لحظة انعكاسه على غزة، لأن غزة أصل الحكاية في الحرب الراهنة، وهي معيار النصر الساحق والهزيمة المنكرة، وبحسب ما يظهر فإن تباشير هذا الانعكاس مرشحة للتسارع في ظل الفجوة الآخذة بالاتساع بين حلفاء الحرب في "تل أبيب" وواشنطن، وقد سبق أن أدارت أوروبا ومعها العالم الظهر لهذه الحرب التي تقرر مصير العالم حتى نصف هذا القرن في أقل تقدير.