من فشل العدوان إلى عزلة الكيان: إيران تفرض معادلة الردع

الساعة 12:08 م|14 يونيو 2026

فلسطين اليوم | إلهامي المليجي

لا تُقاس نتائج الحروب بعدد الغارات ولا بحجم الدمار وحدهما، بل بما يبقى على الطاولة عندما يصمت السلاح: من حقق أهدافه، ومن اضطر إلى التراجع عنها، ومن دخل المواجهة ليفرض شروطه ثم انتهى باحثًا عن مخرج؟

بهذا المعيار، تبدو مذكرة التفاهم التي تقترب إيران والولايات المتحدة من توقيعها، عبر الوساطة الباكستانية وبدعم وسطاء آخرين، أكثر من مجرد ترتيب لوقف النار أو استعادة الملاحة الطبيعية في مضيق هرمز. إنها، إذا اكتمل توقيعها، ترجمة سياسية لفشل عدوان غادر شنّته قوات الاحتلال الصهيوني، ثم انخرطت فيه القوات الأميركية، معتقدة أن التفوق الجوي والناري قادر على كسر إيران وإجبارها على التنازل عن عناصر قوتها وسيادتها.

دفعت إيران كلفة بشرية ومادية عالية، وفقدت قادة وتعرضت منشآتها ومدنها لضربات موجعة. غير أن الصمود لا يعني غياب الخسائر، بل قدرة الدولة والمجتمع على امتصاص الضربة، ومنعها من التحول إلى انهيار سياسي أو استسلام عسكري، ثم نقل الكلفة إلى المعتدي.

وهذا ما فعلته إيران. لم يسقط نظامها، ولم تتفكك مؤسساتها، ولم تُنزع صواريخها، ولم يُصفَّ برنامجها النووي السلمي، ولم تنقطع صلاتها بمحور المقاومة. وفي المقابل، وصلت الضربات الإيرانية إلى القواعد والمصالح الأميركية وإلى عمق الكيان الصهيوني، وانكسرت صورة القوة التي تضرب ولا تُضرب، وتعاقب ولا تدفع ثمنًا.

سقوط وهم الحرب المجانية

قام العدوان على افتراض أن إيران ستتلقى الضربات داخل أراضيها، بينما تبقى القواعد الأميركية ومدن الكيان الصهيوني خارج دائرة النار. لكن الصواريخ والمسيّرات الإيرانية أسقطت هذا الوهم.

تعرضت قواعد ومواقع عسكرية أميركية في المنطقة للضرب، وأُصيبت منشآت مرتبطة بالوجود العسكري الأميركي، فيما نجحت صواريخ إيرانية في اختراق طبقات الدفاع الجوي للكيان وإلحاق أضرار وإصابات موجعة، وأجبرت ملايين المستوطنين على النزول إلى الملاجئ، وعطّلت المطارات ومواقع العمل والحياة اليومية.

لم تعد قوات الاحتلال الصهيوني قادرة على قصف طهران، ثم العودة إلى حياة طبيعية كأن شيئًا لم يكن. ولم تعد واشنطن تستطيع المشاركة في العدوان مطمئنة إلى حصانة قواعدها وأساطيلها ومصالحها.

هنا تشكلت قاعدة الاشتباك الجديدة: الاعتداء على إيران لن يبقى داخل الحدود الإيرانية، ومحاولة خنقها لن تمر بلا ثمن، وأي حرب واسعة عليها ستتحول إلى كلفة إقليمية ودولية تطول المعتدين وحلفاءهم وأسواق الطاقة وشبكات التجارة.

لقد انكسرت أحادية القوة، وسقط احتكار الردع، وتبددت الهيبة التي بنتها الإمبراطورية الأميركية طويلًا على قدرتها على شنّ الحروب بعيدًا عن أراضيها، بينما تظل قواعدها ومصالحها بمنأى عن الانتقام.

حين انتقلت الكلفة إلى العالم

كان مضيق هرمز مفتوحًا أمام الملاحة الدولية قبل العدوان، تعبره السفن وناقلات النفط والغاز بصورة طبيعية. ولم تلجأ إيران إلى تقييد الحركة فيه إلا بعدما تعرضت أراضيها للقصف، وفُرض حصار على موانئها وصادراتها، وحاول المعتدون خنق اقتصادها وحرمانها من مواردها.

ومن ثم، لا يجوز تصوير عودة الملاحة الطبيعية في المضيق بوصفها تنازلًا إيرانيًا أو تراجعًا عن وضع افتعلته طهران من دون سبب. لقد استخدمت إيران هرمز بوصفه ورقة دفاع وردع، وقالت للعالم بلغة المصالح: من يمنع النفط الإيراني من الوصول إلى الأسواق، لا يستطيع ضمان استمرار تدفق نفط المنطقة بلا كلفة؛ ومن يشعل الحرب في الخليج، لا يملك أن يرسم حدود نيرانها.

وهكذا انتقلت الحرب من محاولة لمعاقبة إيران إلى تهديد لاستقرار الاقتصاد العالمي. ولم تعد واشنطن معنية فقط بحماية الكيان الصهيوني، بل صارت مطالبة بحماية الملاحة وأسعار الطاقة وقواعدها العسكرية ومصالح حلفائها، وهي كلفة تجاوزت سريعًا الحسابات التي بدأ بها العدوان.

وعليه، فإن عودة الملاحة الطبيعية تصبح جزءًا من معادلة متبادلة: يتوقف العدوان والحصار، وتُرفع القيود عن الصادرات الإيرانية، فتنتفي أسباب الإجراءات التي فرضتها طهران ردًا على الحرب.

الذريعة النووية وسقوط شروط الإذعان

روّجت واشنطن والكيان الصهيوني أن العدوان يستهدف منع إيران من إنتاج سلاح نووي، مع أن طهران لم تعلن يومًا سعيها إلى امتلاك هذا السلاح، وأكدت منذ بداية برنامجها النووي أنه مخصص للأغراض السلمية.

واستند الموقف الإيراني إلى حقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وإلى الفتوى الصادرة عن أعلى مرجعية دينية وقائد الثورة الإسلامية، التي تحرّم إنتاج الأسلحة النووية وتخزينها واستخدامها.

ولا ينفي ذلك وجود خلافات حول مستويات التخصيب والرقابة والمخزون النووي، لكنه ينفي تحويل الاتهامات والشكوك إلى حقيقة مثبتة، ثم استخدامها ذريعة لشنّ عدوان على دولة ذات سيادة.

كان الهدف أعمق من الملف النووي. أراد الكيان الصهيوني تدمير قدرة إيران العلمية والتقنية، وتجريدها من عناصر قوتها، وتكريس احتكاره للسلاح النووي والتفوق الاستراتيجي في المنطقة. غير أن العدوان انتهى من دون تصفية البرنامج الإيراني، أو انتزاع تخلّي طهران عن حقها في التخصيب، أو فرض قيود على صواريخها وعلاقاتها بحلفائها.

وتشير البنود المتداولة للمذكرة إلى ترحيل التفاصيل النووية إلى مفاوضات لاحقة، مقابل رفع الحصار البحري، وتخفيف العقوبات، والسماح بتصدير النفط، والإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة.

أي إن واشنطن لم تحصل في المرحلة الأولى على إسقاط النظام، ولا تفكيك البرنامج النووي، ولا نزع الصواريخ، ولا فك ارتباط إيران بمحور المقاومة. ما تحصل عليه هو وقف التصعيد، وتأمين الملاحة، والخروج من حرب تبيّن أن استمرارها أكثر كلفة من إنهائها.

هذه ليست صورة دولة استسلمت، بل دولة منعت القوة العسكرية من التحول إلى إذعان سياسي، وفرضت الانتقال من لغة القصف والتهديد إلى لغة التفاوض.

صمود الدولة ووحدة المحور

لم يكن الصمود عسكريًا فقط. فقد راهن بنيامين نتنياهو على أن تؤدي الضربات والاغتيالات والضغوط الاقتصادية إلى تفجير الداخل الإيراني، وخاطب الإيرانيين محاولًا الفصل بينهم وبين دولتهم وقيادتهم.

لكن العدوان حقق نتيجة معاكسة. فقد أدركت قطاعات واسعة من الإيرانيين، بمن فيهم منتقدون للسلطة، أن المستهدف ليس الحكومة وحدها، بل الدولة وسيادتها ووحدتها وقدراتها العلمية والعسكرية.

لم تختفِ الخلافات الداخلية ولا الأزمات الاقتصادية، لكن العدوان أعاد ترتيب الأولويات، وحوّل الدفاع عن البلاد إلى قضية وطنية. وبدل أن يعزل القيادة السياسية، أسهم في توسيع الالتفاف الشعبي حولها في مواجهة الخطر الخارجي.

كذلك لم يقف محور المقاومة خارج المواجهة. فرغم اختلاف ظروف الساحات وقدراتها، أكدت التطورات أن جبهاته ليست جزرًا معزولة، وأن العدوان على أحد أطرافه يمكن أن يستدعي ردودًا من ساحات أخرى.

ورفضت طهران الفصل بين وقف العدوان عليها واستمرار اعتداءات قوات الاحتلال الصهيوني على لبنان. وإذا ثبت تضمين المذكرة التزامًا بوقف التصعيد في لبنان، فإن وحدة الجبهات تكون قد انتقلت من الميدان إلى طاولة التفاوض، وفشلت محاولة الكيان الصهيوني في الانفراد بكل جبهة على حدة.

نتنياهو خارج الغرفة

تبقى النتيجة الأبعد أثرًا هي موقع الكيان الصهيوني نفسه.

نتنياهو، الذي دفع نحو العدوان، ووعد بتدمير إيران وإسقاط نظامها وتفكيك قدراتها، وجد نفسه خارج غرفة التفاوض، يطارد أخبار المذكرة، ويحاول منع اتفاق ترى المؤسسة العسكرية والإعلامية داخل الكيان أن بنوده تمثل فشلًا استراتيجيًا.

أراد نتنياهو استخدام الولايات المتحدة قوةً لتحقيق أهدافه، فإذا بالرئيس الأميركي يكتشف أن استمرار الحرب يهدد المصالح الأميركية وأسواق الطاقة والقواعد المنتشرة في المنطقة. وأراد عزل إيران، فإذا بها تفاوض واشنطن عبر وسطاء إقليميين، بينما يتحول الكيان الصهيوني إلى الطرف الوحيد الذي يرفض إنهاء العدوان.

لا يعني ذلك أن العلاقة الأميركية ـ الصهيونية ستتفكك غدًا. فهي لا تزال عميقة عسكريًا واستخباريًا واقتصاديًا وسياسيًا. لكن العلاقات العضوية لا تنفك دفعة واحدة؛ يبدأ التصدع حين يكتشف الطرف الأقوى أن حليفه لم يعد أصلًا استراتيجيًا خالصًا، بل صار عبئًا يورّطه في حروب لا يريدها، ثم يطالبه بدفع كلفتها ومنع نهايتها.

لقد جرّ نتنياهو واشنطن إلى سلسلة من المواجهات، من غزة ولبنان واليمن إلى إيران، ثم حاول في كل مرة أن يمنع أي تسوية لا تحقق شروطه القصوى. ومن هنا، قد تكون مذكرة إسلام آباد بداية انتقال العلاقة من التحالف غير المشروط إلى التحالف الخاضع لحساب الكلفة والعائد، وللسؤال الذي يتقدم داخل واشنطن: كم تستطيع الولايات المتحدة أن تتحمل من حروب نتنياهو؟

إذا وُقعت المذكرة، فلن تكون نهاية الصراع، ولن تمنع محاولات التخريب الصهيونية. لكنها ستسجل أن إيران تعرضت لعدوان واسع ولم تنكسر، وأن الردع لم يعد امتيازًا أميركيًا ـ صهيونيًا، وأن القوة التي أُريد لها أن تعزل طهران دفعت الكيان نفسه إلى خارج غرفة القرار.

أراد نتنياهو أن يثبت أن طريق المنطقة يمر عبر الكيان الصهيوني، فإذا بالخروج من الحرب يمر من دونه. وأراد أن يجعل إيران عبئًا على العالم، فإذا بالكيان يتحول إلى عبء على حليفه الأكبر.

وربما تكون تلك هي الهزيمة الأعمق للعدوان: أن تكتشف الإمبراطورية الأميركية أن قاعدتها المتقدمة لم تعد تحمي نفوذها، بل تستنزفه؛ وأن الحرب التي شُنّت لترسيخ الهيمنة، انتهت بكسر هيبتها، وتثبيت إيران قوةً إقليمية لا يمكن تجاوزها، وفتح الباب أمام عزلة متزايدة للكيان الصهيوني.

كلمات دلالية