مفاوضات القاهرة وسلاح المقاومة.. لماذا ترفض الفصائل نزعه؟

الساعة 10:55 ص|14 يونيو 2026

فلسطين اليوم

عاد ملف سلاح المقاومة الفلسطينية إلى صدارة المشهد السياسي مع انتهاء جولة جديدة من المباحثات التي احتضنتها العاصمة المصرية القاهرة، والتي تزامنت مع تصاعد الحديث عن ترتيبات مرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة، وسط تسريبات وتقارير إعلامية تناولت مسألة نزع سلاح الفصائل بوصفها أحد أبرز القضايا المطروحة على طاولة النقاش. وبينما تواصل "إسرائيل" الدفع باتجاه ربط أي اتفاق مستقبلي بإنهاء القدرات العسكرية للمقاومة، تتمسك الفصائل الفلسطينية بموقفها الرافض لهذا الطرح، معتبرة أن السلاح يمثل أحد الثوابت التي لا يمكن التنازل عنها أو إدراجه ضمن أي تسويات سياسية.

وجاءت المباحثات الأخيرة في ظل ظروف إقليمية معقدة، تتداخل فيها التطورات المتسارعة على أكثر من جبهة، بدءًا من التوترات المتواصلة في المنطقة "إيران وأمريكا و"إسرائيل"، مرورًا بالخروقات "الإسرائيلية" لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وصولًا إلى الضغوط الدولية والإقليمية الرامية إلى التوصل لترتيبات جديدة تتعلق بمستقبل القطاع. وفي خضم هذه التطورات، عاد ملف سلاح المقاومة إلى الواجهة باعتباره إحدى أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا، نظرًا لتباين الرؤى بشأنه بين الاحتلال "الإسرائيلي" والفصائل الفلسطينية.

الكاتب والمحلل السياسي أحمد عبد الرحمن رأى أن ما أُثير خلال مباحثات القاهرة الأخيرة بشأن سلاح المقاومة لا يمثل تحولًا جديدًا في مسار المفاوضات، بل يأتي امتدادًا لمحاولات متواصلة تهدف إلى تحقيق ما عجزت عنه "إسرائيل" خلال سنوات المواجهة والحرب.

وبين عبد الرحمن لـ"مراسل وكالة فلسطين اليوم الإخبارية" أن موقف الفصائل الفلسطينية من هذه القضية لم يطرأ عليه أي تغيير، وأنها أبلغت الوسطاء بصورة واضحة رفضها أي صيغة تؤدي إلى تسليم السلاح أو تجريد الفلسطينيين من أحد أهم عناصر قوتهم.

وأوضح أن الفصائل تنطلق في موقفها من قناعة راسخة بأن التخلي عن السلاح لن يضمن وقف الاعتداءات "الإسرائيلية" أو يضع حدًا للمشاريع الهادفة إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، بل سيمنح الاحتلال مكسبًا استراتيجيًا فشل في تحقيقه عسكريًا.

ولفت إلى أن المقاومة، وإن كانت منفتحة على مناقشة بعض الصيغ والمقاربات المتعلقة بترتيبات المرحلة المقبلة، فإنها ترفض بصورة قاطعة أي طرح يقود في نهاية المطاف إلى نزع السلاح، انطلاقًا من اعتباره جزءًا من معادلة الصراع وأحد أبرز الملفات التي ستحدد ملامح المشهد الفلسطيني في مرحلة ما بعد الحرب.

ومنذ موافقة الفصائل الفلسطينية في أكتوبر/تشرين الأول 2025 على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف الحرب على قطاع غزة، التزمت بتنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق والدخول في مفاوضات بشأن المراحل التالية، في حين لم تلتزم "إسرائيل" بالبنود الواردة في المرحلة الأولى، وتصر "تل أبيب" على إدراج مسألة نزع سلاح المقاومة ضمن ترتيبات المرحلة الثانية، والانتقال إليها دون تنفيذ المرحلة الأولى، وهو ما ترفضه الفصائل.

سلاح المقاومة خط أحمر

وبشأن الأسباب الرئيسية وراء رفض الفصائل لأي طرح يتعلق بنزع السلاح، بين الكاتب أحمد عبد الرحمن أن تمسك الفصائل الفلسطينية بسلاحها يستند إلى جملة من الاعتبارات التي تتجاوز تداعيات الحرب الحالية، والتي ترتبط بطبيعة الصراع مع "إسرائيل"، وبقناعة راسخة لدى قوى المقاومة بأن استعادة الحقوق الفلسطينية لا يمكن أن تتم بمعزل عن أدوات القوة التي اعتمدت عليها الأجيال الفلسطينية المتعاقبة.

وأضاف: "أن الصراع لا يرتبط بوجود السلاح بقدر ارتباطه بالمشروع الإسرائيلي وأهدافه في السيطرة وفرض الوقائع على الأرض، لذلك فإن القناعة الراسخة لدى الفصائل تمثل سببًا آخر يمنعها من نزع سلاحها".

وأشار إلى أن الفصائل تنظر إلى السلاح، رغم الفارق الكبير في موازين القوى، باعتباره عاملًا يمنع "إسرائيل" من حسم الصراع بصورة نهائية أو فرض تصورها الخاص لمستقبل القضية الفلسطينية، فضلًا عن كونه أحد عناصر الردع التي تحول دون تحقيق انتصار كامل وحاسم للاحتلال.

ومن الأسباب التي تمنع ذلك أيضًا القناعة السائدة داخل قوى المقاومة بأن التخلي عن السلاح سيُفسَّر على أنه إعلان استسلام غير مشروط، ومنح "إسرائيل" إنجازًا استراتيجيًا أخفقت في تحقيقه خلال سنوات الحرب والمواجهة، بالإضافة إلى أن هذا الملف يرتبط بتاريخ طويل من النضال الفلسطيني والتضحيات التي قدمتها أجيال متعاقبة، الأمر الذي يجعل أي خطوة في هذا الاتجاه قضية شديدة الحساسية وتمس أحد أكثر الملفات ارتباطًا بمستقبل المشروع الوطني الفلسطيني، بحسب الكاتب عبد الرحمن.

ولفت إلى أن الفصائل قد تبدي مرونة تجاه بعض المقاربات المتعلقة بترتيبات المرحلة المقبلة، إلا أن موقفها من مبدأ نزع السلاح لا يزال ثابتًا، انطلاقًا من اعتباره قضية تتجاوز الحسابات الآنية وترتبط برؤيتها لطبيعة الصراع ومستقبل القضية الفلسطينية.

سلاح المقاومة
"ومن بين بنود المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وفق خطة ترامب، إطلاق سراح جميع الأسرى الإسرائيليين، وهو ما التزمت به المقاومة، كما نصت البنود على فتح المعابر وإدخال المساعدات الإنسانية، وانسحاب القوات الإسرائيلية إلى حدود الخط الأصفر، ووقف العمليات العسكرية، في المقابل لم تلتزم "إسرائيل" بهذه البنود، وتواصل توسيع مساحة سيطرتها على القطاع وخرق الاتفاق بشكل يومي، ما أسفر عن سقوط عشرات الشهداء والجرحى منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025".

ومنذ إعلان وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر، بلغ إجمالي عدد الشهداء 983 شهيدًا، فيما ارتفع عدد المصابين إلى 3,122، جراء الخروقات "الإسرائيلية" المتواصلة منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ برعاية أمريكية وقطرية ومصرية.

يُشار إلى أن حصيلة العدوان "الإسرائيلي" على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 ارتفعت إلى 72,993 شهيدًا و173,230 مصابًا، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية.

كلمات دلالية