تقرير أمواج غزة تطفئ لهيب النزوح: البحر.. الملاذ الأخير للهروب من جحيم الخيام

الساعة 07:40 م|13 يونيو 2026

فلسطين اليوم- غزة

تحت أشعة الشمس الحارقة التي تحوّل النايلون والقماش إلى أفران بشرية، لم يعد أمام مئات الآلاف من النازحين في قطاع غزة سوى وجهة واحدة للهروب من لهيب الصيف، شاطئ البحر.. هناك، حيث يلتقي رمل الشاطئ بأمواج المتوسط، تتدفق عائلات بأكملها، رجالاً ونساءً وأطفالاً، بحثاً عن نسمة هواء باردة تطفئ لهيب أجسادهم المتعبة، في ظل انعدام أدنى مقومات الحياة داخل مخيمات اللجوء المؤقتة والممتدة على طول الساحل.

العديد من المواطنين الذين التقت بهم "مراسلة وكالة فلسطين اليوم الاخبارية" عبروا عن معاناة يومية يكابدونها جراء إقامتهم في خيام النزوح بعد أن دمر الاحتلال منازلهم في حرب الإبادة التي ما تزال مستمرة منذ اكتوبر 2023.

يجلس المواطن أبو مهند 50 عاما، مع أفراد عائلته عائلته المكونة من 9 أفراد على شاطئ البحر.. وفي حديث لمراسلتنا أشار إلى أنه جاء إلى شاطيء البحر هارباً من لهيب الخيمة التي يقطن بها.

ويضيف أن الخيمة التي يعيش فيها مصنوعة من النايلون والأقمشة المهترئة، ولا تتجاوز مساحتها سوى أمتار قليلة، وهي بيئة غير صالحة للحياة الأدمية، حيث يغيب كل شيء داخل هذه الخيام، لا كهرباء لتشغيل مروحة صغيرة، لا مياه باردة تروي عطش الأطفال، ولا جدران إسمنتية تحمي من حرارة النهار.

وأشار إلى أن الرطوبة العالية داخل المخيمات المكتظة في مناطق مثل دير البلح وساحل خان يونس، حولت النهار إلى رحلة عذاب يومية.

من جهته يصف المواطن الستيني أبو اياد البقاء داخل الخيمة في ساعات الظهيرة بأنه "قطعة من الجحيم"، حيث تختنق الأنفاس ويزداد خطر الإصابة بالأمراض الجلدية وضربات الشمس، خاصة بين الأطفال وكبار السن.

ولفت إلى أن الواقع القاسي في مخيمات النزوح جعل البقاء داخل المخيم أمراً مستحيلاً، لتبدأ رحلة الهجرة اليومية المعاكسة نحو الشاطئ.

وأوضح أن شاطئ البحر تحول في هذه الأيام من مكان للاستجمام كما كان في السابق، إلى حاجة بيولوجية وإنسانية ملحة للبقاء، لافتا إلى أنه منذ ساعات العصر وحتى مغيب الشمس، يمتلئ الشاطئ بآلاف الأجساد اللاهثة خلف النسمات البحرية.

ويقول أبو محمد (42 عاماً)، وهو نازح من مدينة غزة ويعيش حالياً في خيمة على شاطئ دير البلح: "داخل الخيمة، تشعر وكأن الهواء يغلي، الأطفال لا يتوقفون عن البكاء من شدة الحر والتعرق، والجلد يبدأ بالالتهاب، نأتي إلى هنا ليس للنزهة، بل لكي نتنفس، لأن البحر هو الذي ينقذنا من الموت خنقاً داخل تلك القطع القماشية".

أما أم أحمد (35 عاماً)، التي تجلس برفقة أطفالها الأربعة على مقربة من الماء، فتعبر عن هذا اللجوء قائلة: "في البحر، ينسى الأطفال قليلاً مشهد الخيمة والنزوح، حيث أن الماء يبرد أجسادهم ويخرج طاقاتهم المكبوتة.

وتقول: "عندما يحل المساء، نعود إلى الخيام ونحن نعلم أننا سنواجه ليلة حارة أخرى، لكن على الأقل نكون قد تخطينا الساعات الأصعب من النهار".

ورغم أن البحر يمثل طوق النجاة من الحر، إلا أن هذا الملاذ لا يخلو من المخاطر والصعاب. فالبنية التحتية المدمرة في القطاع أدت إلى تدفق مياه الصرف الصحي غير المعالجة إلى مياه البحر في عدة مناطق، مما يهدد بانتشار الأمراض والأوبئة الجلدية والمعوية بين المستحمين.

ومن جهته عبر المواطن خليل 32 عاما عن امتعاضه من افتقار الشاطئ إلى أبسط مقومات السلامة، مثل أبراج الإنقاذ البحري والمنقذين المؤهلين والمعدات اللازمة، بسبب ظروف الحرب والحصار، مما يرفع من مخاطر الغرق، خاصة مع تدافع الأعداد الهائلة من المواطنين والأطفال إلى المياه دون رقابة كافية.

وأكد أنه رغم معرفة الأهالي بهذه المخاطر، إلا أن لسان حالهم يقول: "مرارة البحر ولا جحيم الخيام".

ويبقى بحر غزة الصديق الوفي والملاذ الأخير لشعب أُغلقت في وجهه كل الأبواب، وأصبح المكان الذي يغسل فيه الغزيون همومهم اليومية مؤقتاً، ويسكبون فيه حكايات صبرهم الأسطوري.

ومع استمرار الصيف والنزوح، تظل أمواج البحر الشاهد الوحيد على رغبة هذا الشعب في الحياة، هارباً من حرارة الخيام المشتعلة إلى برودة الأمواج.