بقرار من الاحتلال.. العيون في غزة تواجه العتمة

الساعة 09:43 ص|11 يونيو 2026

فلسطين اليوم

لم يكتفِ الاحتلال "الإسرائيلي" بالحرب التي خلّفت آلاف الشهداء والجرحى ودمّرت المستشفيات والبنية التحتية في قطاع غزة، بل يواصل استهدافه لحياة السكان بوسائل أخرى تمس أبسط حقوقهم الإنسانية، ومنها الحق في العلاج. فبينما يواجه القطاع أزمة صحية غير مسبوقة، يحرم آلاف المرضى من الوصول إلى الرعاية الطبية اللازمة، ومن بينهم "مرضى المياه البيضاء" الذين باتوا مهددين بفقدان أبصارهم نتيجة النقص الحاد في العدسات والمستلزمات الطبية الخاصة بعمليات العيون، في مشهد يجسد حجم المعاناة التي يعيشها الغزيون، تتحول الإصابة القابلة للعلاج إلى خطر دائم يهدد البصر، في ظل استمرار القيود المفروضة على إدخال الاحتياجات الطبية وتدهور قدرة المستشفيات على تقديم الخدمات التخصصية.

وتُعد المياه البيضاء من الأمراض التي يمكن علاجها بعملية جراحية بسيطة نسبيًا في الظروف الطبيعية، إلا أن الواقع في قطاع غزة مختلف تمامًا، حيث أدى الحصار والحرب المستمرة إلى استنزاف المنظومة الصحية وحرمانها من المعدات والأدوات اللازمة لإجراء مئات العمليات المتراكمة.

ألم الانتظار يهدد بصرهم

الحاج حسين ديب (62 عاماً)، الذي يتردد بشكل دائم على شباك مراجعة العمليات في مستشفى العيون، في محاولة لمعرفة أي جديد بشأن موعد إجراء عملية إزالة المياه البيضاء في كلتا عينيه، عبر عن خشيته من فقدان البصر نتيجة استمرار تأجيل العملية وتدهور حالته الصحية، قائلاً: "كل مرة بآجي على المستشفى بكون عندي أمل جديد، بس برجع بلا جواب… نظري عم يضعف أكثر يوم بعد يوم، وبخاف ييجي يوم وما أشوف فيه نهائيًا"

ويضيف في حديثه لـ"مراسل وكالة فلسطين اليوم الإخبارية" :"صار في عندي صعوبة كبيرة بالحركة، وبصير أعتمد على غيري في أبسط الأمور… أنا مش طالب شي غير إني أرجع أشوف وأعيش حياتي بشكل طبيعي".

الحاج ديب، الذي يعيل أربعة من أفراد أسرته بعد استشهاد نجله قبل عامين، يؤكد أن معاناته تتضاعف في الليل بسبب ضعف بصره الشديد، قائلاً: "بالليل ما بقدر أطلع نهائيًا، ما بشوف الطريق ولا بقدر أتحرك لحالي، بخاف أقع أو أتعرض لأي أذى".

ويواصل الاحتلال الإسرائيلي فرض قيود مشددة على إدخال المستلزمات الطبية إلى قطاع غزة، حيث يمنع دخول العدسات الخاصة بعمليات المياه البيضاء، ما يفاقم معاناة المرضى ويعرقل إجراء العمليات الجراحية اللازمة لاستعادة البصر، ويؤدي هذا النقص الحاد إلى تأجيل مئات الحالات الطبية، في ظل تدهور الأوضاع الصحية وصعوبة توفير البدائل، الأمر الذي ينعكس سلبًا على المرضى الذين يعانون من تراجع مستمر في القدرة على الإبصار.

image-1779295098
 

حالة الحاج حسين لا تختلف كثيرًا عن حال العديد من المرضى في قطاع غزة، الذين يعانون من تدهور في القدرة على الإبصار نتيجة المياه البيضاء، ويواجهون ظروفًا صعبة في ظل نقص الإمكانيات الطبية وطول قوائم الانتظار، ما يجعلهم عرضة لتفاقم حالتهم الصحية بشكل مستمر، فالحاجة أم محمد، التي أصبح ضعف النظر لديها يعيقها عن أداء مهامها اليومية بشكل طبيعي، تقول: "صار نظري يضعف يوم بعد يوم، وبخاف أوصل لمرحلة ما أقدر أشوف فيها نهائيًا… حتى أبسط شغلات البيت صارت صعبة عليّ".

وتضيف لمراسلنا:" صرت أحس إني عم أفقد جزء من حياتي كل يوم، ما بقدر أميّز الوجوه ولا أتحرك براحة زي قبل… كل اللي بطلبه إنه ييجي دوري على العملية قبل ما الوضع يزيد سوء"

 

جراحات العيون متوقفة

مدير مستشفى سانت جون لطب وجراحة العيون، وليد شقورة،  أكد أن العمليات الجراحية في المستشفى شبه متوقفة نتيجة النقص الحاد في المستهلكات الطبية الأساسية، وفي مقدمتها العدسات الخاصة بعمليات المياه البيضاء والخيوط الجراحية، رغم توفر الجاهزية التشغيلية لغرف العمليات والكادر الطبي.

وأوضح شقورة، أن المستشفى، الذي كان يُعد من أبرز المراكز المتخصصة في استقبال مرضى العيون في قطاع غزة، يعمل حاليًا بإمكانيات محدودة للغاية عقب تعرضه لأضرار جسيمة، ما انعكس بشكل مباشر على مستوى الخدمات الطبية المقدمة.

وأضاف أن محاولات إدخال الإمدادات الطبية عبر جهات دولية لم تحقق أي تقدم حتى الآن، في ظل استمرار القيود، الأمر الذي أدى إلى شلل شبه كامل في التدخلات الجراحية، حتى في الإجراءات البسيطة، في حين عادت خدمات الفحص والتشخيص بشكل جزئي لا يلبي حجم الاحتياجات المتزايدة.

وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، فإن نحو 9 آلاف مريض عيون لا يزالون على قوائم الانتظار، في ظل نقص حاد يصل إلى 90% في الأجهزة التشخيصية، الأمر الذي يحدّ بشكل كبير من القدرة على تقديم خدمات التشخيص والعلاج للمرضى.

وبينت الوزارة، أن مرضى السكري والجلوكوما والمياه البيضاء يواجهون تدهورًا متسارعًا في حالتهم الصحية، قد يصل إلى فقدان دائم للبصر في حال استمرار نقص العلاج والتدخلات الطبية، كما لا يقتصر الخطر على البالغين، إذ يواجه الأطفال المصابون بالمياه البيضاء الخلقية مضاعفات خطيرة قد لا يمكن تداركها في حال تأخر العلاج.

ومع تزايد أعداد المرضى وتراجع الإمكانيات الطبية، تتسع دائرة المعاناة يوماً بعد يوم، وسط مخاوف من فقدان المزيد من المرضى لبصرهم في ظل غياب التدخل العلاجي اللازم، وفقاً لوزارة الصحة