كشفت دراسة صادرة عن "المركز الفلسطيني للدراسات السياسية"، اليوم الأربعاء 10 يونيو 2026، عن تراجع حاد وغير مسبوق في صورة الكيان الإسرائيلي على المستوى الدولي منذ اندلاع الحرب على غزة في تشرين الأول/اكتوبر 2023، مؤكدة أن هذا التراجع لم يعد مرتبطاً بموجات تضامن عاطفية عابرة "بل يعكس تحولاً بنيوياً في آليات تشكّل الرأي العام العالمي في العصر الرقمي".
وتستند الدراسة، إلى بيانات استطلاعية دولية واسعة، أبرزها استطلاع مركز "بيو" لعام 2026 الذي شمل 36 دولة وأكثر من 44 ألف مشارك، وأظهر أن 67 بالمئة من المستطلَعين ينظرون إلى "إسرائيل" نظرة سلبية مقابل 25 بالمئة فقط يحملون موقفاً إيجابياً.
وتوضح الدراسة، التي أعدها الباحث إبراهيم الحواجري، أن التحول في المزاج الدولي ينبع من ثلاثة محاور مترابطة: إعادة هيكلة مشهد تداول المعلومات في الفضاء الرقمي، والتوثيق الميداني المباشر للحرب على غزة، وتصاعد خطاب اليمين الإسرائيلي المتشدد الذي وجد طريقه سريعاً إلى المنصات الرقمية، مضاعفاً الأثر السلبي على صورة "إسرائيل".
وتشير الورقة إلى أن الحرب الأخيرة شكّلت نقطة مفصلية في تاريخ الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، إذ وجد الجمهور العالمي نفسه للمرة الأولى أمام توثيق حي ومباشر للأحداث من داخل غزة، ينقله صحفيون وناشطون ومدنيون فلسطينيون، متجاوزين آليات التصفية التي كانت تمارسها وسائل الإعلام التقليدية. وفي المقابل، واجهت إسرائيل بيئة إعلامية جديدة تزامنت مع وجود حكومة يمينية متشددة تضم وزراء ذوي خطابات متطرفة أثارت موجات واسعة من الإدانات الدولية.
وتستعرض الدراسة الإطار النظري لفهم الرأي العام في البيئة الرقمية، مستندة إلى نظريتي وضع الأجندة والتأطير، ومفهوم القوة الناعمة كما صاغه جوزيف ناي، مؤكدة أن البيئة الرقمية الحالية كشفت تناقضات عميقة بين الخطاب الرسمي الإسرائيلي والتوثيق الميداني، ما أدى إلى "أزمة اتساق رمزي" أضعفت رصيد القوة الناعمة الذي بنت عليه إسرائيل صورتها لعقود.
وتُظهر البيانات الاستطلاعية التي تناولتها الدراسة مساراً متسارعاً لتراجع النظرة الإيجابية لـ "إسرائيل" في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا. ففي الولايات المتحدة، ارتفعت نسبة أصحاب النظرة السلبية من 42 بالمئة عام 2022 إلى 60 بالمئة عام 2026، بينما بلغت النسبة في اليابان 93 بالمئة، وهي الأعلى عالمياً. كما تكشف الدراسة عن فجوة جيلية واسعة، إذ يحمل الشباب في الغرب مواقف أكثر سلبية تجاه إسرائيل مقارنة بالأجيال الأكبر، بما في ذلك 57 بالمئة من الجمهوريين الأمريكيين دون الخمسين.
وتبرز الدراسة التحول البنيوي في قنوات تلقي المعلومات، حيث أصبحت منصات مثل "تيك توك" و"إنستغرام" المصدر الأول للأخبار لدى قطاعات واسعة من الشباب. وفي سياق الحرب على غزة، برزت ظاهرة "صحافة المواطن الميدانية" التي نقلت صوراً مباشرة من القطاع، وأسهمت في تشكيل رأي عام عالمي متفاعل. وتستشهد الدراسة بقفزة عدد متابعي الناشطة الفلسطينية عبير عيساوي من 25 ألفاً قبل الحرب إلى أكثر من 18 مليوناً لاحقاً.
وتتوقف الورقة عند خطاب اليمين الإسرائيلي المتشدد، معتبرة أنه لعب دوراً مركزياً في تعميق التراجع الدولي. وتوثّق تصريحات بارزة لوزراء مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريش، من بينها الدعوة إلى "محو" بلدة حوارة، والمطالبة بتهجير سكان غزة، ونشر مقاطع مسيئة لمدنيين محتجزين. وقد أدت هذه التصريحات إلى موجة عقوبات أوروبية غير مسبوقة، شملت حظر دخولهما إلى المملكة المتحدة وسلوفينيا وإيرلندا وفرنسا وإسبانيا، إضافة إلى عقوبات من كندا وأستراليا والنرويج.
وتشرح الدراسة آلية "مضاعف الأثر الرقمي" التي تجعل من تصريح واحد مادة تنتشر عالمياً خلال ساعات، عبر الترجمة الفورية، والتداول العابر للحدود، والأرشفة الرقمية التي تحول المحتوى إلى مرجع دائم في النقاشات السياسية والإعلامية.
وتتوسع الورقة في تحليل دور الجامعات الغربية في ترجمة التفاعل الرقمي إلى حراك ميداني، مشيرة إلى موجة الاحتجاجات الطلابية التي انطلقت من جامعة كولومبيا عام 2024 وامتدت إلى أكثر من 100 جامعة أمريكية و180 جامعة حول العالم، وما رافقها من اعتقالات واستقالات وضغوط سياسية غير مسبوقة على إدارات الجامعات.
وتؤكد الدراسة أن الفضاء الرقمي أسهم في تآكل احتكار إسرائيل للمعلومات، إذ وثّقت منظمة "صدى الاجتماعي" أكثر من 25 ألف انتهاك ضد المحتوى الفلسطيني عام 2024، بينما طلبت النيابة العامة الإسرائيلية إزالة أكثر من 8 آلاف منشور من منصات "ميتا" و"تيك توك"، استُجيب لـ94 بالمئة منها. وترى الورقة أن هذا الضغط الرقمي يُنتج بدوره رد فعل عكسياً يعزز الرواية الفلسطينية.
وتشير الدراسة إلى أن إسرائيل تواجه "فخ المصداقية"، حيث تتناقض تصريحات مسؤوليها مع الصور الميدانية المنتشرة، ما يضعف قدرتها على الدفاع عن روايتها الرسمية. وتستشهد ببيانات تظهر أن 58 بالمئة من الإسرائيليين أنفسهم يرون أن دولتهم “غير محترمة” دولياً.
وتتناول الورقة تداعيات هذا التحول على القوة الناعمة الإسرائيلية، مستعرضة أحكام محكمة العدل الدولية بشأن عدم شرعية الوجود الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، وتحركات المحكمة الجنائية الدولية، وقرارات الاعتراف بالدولة الفلسطينية من دول أوروبية مثل أيرلندا والنرويج وإسبانيا، إضافة إلى تنامي المقاطعة الأكاديمية والثقافية.
وتطرح الدراسة ثلاثة سيناريوهات مستقبلية: استمرار التآكل التدريجي لصورة إسرائيل في حال بقاء الحكومة اليمينية والتصعيد الميداني، أو احتواء الضرر في حال تغيير الحكومة واستثمار الدبلوماسية الرقمية، أو استمرار الاستقطاب العالمي على المدى البعيد بما يفاقم الفجوة بين الدعم الرسمي الغربي والمزاج الشعبي.
وتخلص الدراسة إلى أن ما يجري ليس حدثاً عابراً، بل تحول بنيوي في طريقة تشكّل الرأي العام العالمي، يقوم على إعادة توزيع القدرة على إنتاج السرديات، وتصاعد خطاب اليمين الإسرائيلي المتطرف، وتغيّر الوعي الجيلي في المجتمعات الغربية، بما يفرض على الفلسطينيين استثمار هذا التحول في المجال العام العالمي.