أحدث مستنقعات أميركا: كابوس ترامب في إيران

الساعة 08:57 ص|10 يونيو 2026

فلسطين اليوم

مازن النجار

إن سوء تقدير ترامب الكارثي في ​​إيران ورفضه الاعتراف بحتمية الهزيمة يدفع الكوكب نحو كساد عالمي، ويضمن معاناة وبؤس الملايين.

إن أحدث مستنقعات أميركا في الشرق الأوسط يشبه مستنقعاتها القديمة. كما كانت حربا أفغانستان والعراق، مستنقع نتيجة قراءة خاطئة فادحة للخصوم، وفشل ذريع في فهم حدود القوة الإمبريالية، وانعدام أي استراتيجية واضحة. إنه يضخم أرباح صناعة الحرب، ويهدر مليارات الدولارات من الأموال العامة، وينفر الحلفاء، ويقوّض نفوذ أميركا وهيبتها عالمياً. 

بحسب الكاتب الصحفي المخضرم كريس هيدجز، إنها إمبراطورية محتضرة، يحكمها فاسدون غير أكفاء، تعميها نزعة العسكرة والغطرسة. إنها عاجزة عن فهم العالم حولها. يتورطون في مآزق بلا مخرج – كما وقع في العراق وأفغانستان وقبلهما فيتنام – حيث تُسرّع المغامرات العسكرية وتفاقم الخسائر التي تلحقها بنفسها. 

تمثل الحرب على إيران فصل انحدار آخر سريع ومميت في نهاية المطاف.

لا مخرج أميركياً جيداً

إن مقترح إيران لوقف إطلاق النار المؤقت، ذا العشر نقاط – وتوسطت فيه باكستان وقُدّم للولايات المتحدة بعد بدء الحرب بأربعين يومًا – يُعد بمنزلة شروط استسلام أميركي.

فهو يطالب بإنهاء الهجمات الأميركية والإسرائيلية، في إيران ولبنان. ويدعو إلى إزالة القواعد والمنشآت العسكرية الأميركية في المنطقة، ويُرسّخ سيطرة إيران على مضيق هرمز.

ويرفض التخلي عن تخصيب اليورانيوم. ويطلب رفع العقوبات وإنهاء القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي ووكالة الطاقة الذرية الدولية ضد إيران، والإفراج عن الأصول المجمدة (100 مليار دولار) ودفع تعويضات عن الهجمات الأميركية والإسرائيلية.

وهذه المطالب إهانة بالغة لا يمكن لأميركا و "إسرائيل" قبولها.

وبعد ساعات من تقديم إيران مقترحها، شنّت "إسرائيل" هجومًا جوياً مدمراً على لبنان لإفشال أي اتفاق. في عشر دقائق، شمل الهجوم قصف وسط بيروت وأنحاء لبنان، بمشاركة 50 طائرة مقاتلة و108 غارات جوية، وأُلقيت 160 قنبلة، ما أسفر عن مقتل 350 شخصاً وآلاف الجرحى.

تُعدّ مجزرة "الأربعاء الأسود" الخاطفة وغير المبررة تذكيراً بشعاً بأن "إسرائيل" لا تنوي السماح بإنهاء الحرب. ومع عدم استعداد الولايات المتحدة للاعتراف بالهزيمة، وتعطش "إسرائيل" للدماء، فالوضع بالغ السوء.

لاحقاً، قدمت إيران مقترحاً محدثاً، اعتبره ترامب "غير مقبول بتاتاً".

يرى هيدجز أن إيران، المسيطرة على مضيق هرمز، تستطيع الانتظار. فكلما طال أمد الحصار المفروض على الملاحة عبر مضيق يمر منه 20% من تدفقات النفط والغاز في العالم، ازدادت أضرار الاقتصاد العالمي. 

لا مخرج جيداً للولايات المتحدة. فتعنت إدارة ترامب وإصرار "إسرائيل" على استئناف هجماتها على إيران يضمنان انزلاق اقتصاد العالم نحو الكساد.

إيران الرابح الأكبر

تعرضت البنية التحتية المدنية والاقتصادية في إيران لخسائر فادحة، شملت مناطق سكنية، ومدارس وجامعات، ومراكز صحية، ومراكز شرطة، وكنائس، ومعابد يهودية، ومحطات طاقة وتحلية مياه، ومصانع فولاذ وأدوية، فضلاً عن أصول عسكرية. وتعرضت لاغتيالات استهدفت كبار قادتها السياسيين والعسكريين. مع ذلك، لم يتحقق أي هدف لأميركا و "إسرائيل".

ويلاحظ هيدجز أن القيادة الإيرانية الجديدة، القريبة من حرس الثورة، تتسم بمزيد من التحدي والصلابة مقارنة بسابقتها. وتُبقي إيران سيطرتها على مضيق هرمز، وقد تفرض رسومًا تصل إلى مليوني دولار أميركي على مرور كل ناقلة نفط. يجب دفع هذه الرسوم الجمركية، التي فرضتها إيران كجزء من مطالبها بتعويضات الحرب، بالعملة الصينية، في جهد من إيران والصين وروسيا لكسر هيمنة الدولار.

تحتفظ إيران بمخزونات كبيرة من الصواريخ والمسيّرات واليورانيوم المخصب، الذي قد ترفع نسبة تخصيبه إلى نسبة 90% لدى تعرضها لهجوم آخر.

إيران هي الرابح الأكبر في عملية "الغضب الملحمي". ترامب هو الخاسر الأكبر. تكمن المعضلة في أن ميل ترامب لاختلاق واقع خاص به يجعله غالباً لا يعترف بخطئه أو يتفاوض على مخرج من كارثة أحدثها.

أهدر ترامب، من دون موافقة الكونغرس، على الأقل 29 مليار دولار على الحرب، وفقًا للبنتاغون، بينما تضع تحليلات ستيفن سيملر الرقم قرب 72 مليار دولار.

الخسائر البشرية فادحة بالفعل. فقد أسفرت غارات أميركا و"إسرائيل" عن أكثر من 3300 شهيد مدني إيراني، بينهم أكثر من 221 طفلاً. كما نزح أكثر من ثلاثة ملايين إيراني وأكثر من مليون لبناني جراء قصف "إسرائيل" المستمر والإبادة في جنوب لبنان. وبينما هناك أكثر من مليوني فلسطيني نازح جراء الإبادة الجماعية في غزة، بجانب 1100 شهيد و40 ألف فلسطيني نازح في الضفة.

نحو كساد عالمي

باستمرار الحرب ، يتوقع البنك الدولي ارتفاعًا بنسبة 31% في تكلفة أسمدة النيتروجين الخليجية والتي تمر عبر مضيق هرمز هذا العام، ما سيؤدي إلى ارتفاع أكبر بأسعار الغذاء. بدأت حالات النقص بالفعل تعطل عمليات التصنيع والإنتاج عالمياً. وتتعرض سلاسل التوريد العالمية الهشة والمترابطة للانهيار. هذا النظام الاقتصادي، كما أظهرت حرب إيران، سهل التدمير، وإعادته صعبة جداً.

تُعاني دول آسيا نقص وقود حاداً واضطراب إمداداته، حيث تواجه دولها تهافتاً على الشراء وتقنين الاستهلاك في محطات الوقود. وتسعى جاهدة لتأمين مصادر بديلة للنفط الخام والوقود. وتعتمد اليابان على نفط الخليج بـ95% من وارداتها، ولجـأت إلى احتياطيات استراتيجية منذ بدء الحرب.

وبالتالي، أدى ارتفاع أسعار الغاز المسال إلى زيادة أسعار وقود الطهي بـ7% للاستخدام المنزلي في الهند، وبنحو 76% في القطاع التجاري. وتم خفض الإنتاج وفقدان وظائف في قطاع الملابس والنسيج بالهند وبنغلاديش وكمبوديا.

وتراجعت شحنات الهيليوم والألومنيوم والنافتا عبر مضيق هرمز، ما أدى إلى انخفاض الإنتاج، بما فيه تصنيع الرقائق الإلكترونية، وشركات البناء، وتغليف البلاستيك. وخفضت مصانع الصلب بالهند والسيارات باليابان إنتاجها. وفقد عشرات آلاف العمال وظائفهم بالفعل.

وتحمّل شركات الطيران الآسيوية والأوروبية كميات وقود إضافية في مطاراتها، وجرى تقليص عدد الرحلات، ورفع الرسوم الإضافية وتضاعفت أسعار وقود الطائرات. وطلبت الإمارات، مالكة صناديق ثروة سيادية تتجاوز تريليوني دولار، من الولايات المتحدة "خطة إنقاذ مالي في زمن الحرب" عقب تضرر حقول الغاز جراء الصواريخ وتعطل الملاحة بمضيق هرمز.

ويذكر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن ملايين الأشخاص، خاصة بآسيا وأفريقيا، مُعرّضون للوقوع في براثن الفقر والجوع بسبب الحرب.

وكمُصدّر صافٍ للنفط والغاز الطبيعي، نجت الولايات المتحدة نسبيًا من الصدمة العالمية، رغم ارتفاع أسعار البنزين بنحو 40% لتتجاوز 4.50 دولارات للغالون. كما ارتفع متوسط ​​سعر الديزل بنحو 50%، متجاوزًا 5.60 دولارات للغالون.

لكن انهيار الاقتصاد العالمي سيُلحق الضرر بالولايات المتحدة عاجلاً أو آجلاً. فإدارة ترامب تدفع نحو كساد عالمي واضطراب اجتماعي وسياسي، نتيجة أزمة مالية كارثية.

الحشد العسكري

ترامب اليائس، يطلق تهديدات بذيئة لإيران على وسائل التواصل الاجتماعي، كاتباً: "افتحوا مضيق هرمز اللعين، أيها الأوغاد المجانين". كما ينشر صوراً مُولّدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر الجيش الأميركي وهو يُبيد الجيش الإيراني. وهدد بقصف الإيرانيين "ليعودوا إلى العصر الحجري الذي ينتمون إليه"! 

ويصف منتقديه بالخونة: "عندما تقول وسائل الإعلام الكاذبة إن العدو الإيراني يُحقق تقدماً عسكرياً ضدنا، فهذه خيانة عظمى، لأنه ادعاء كاذب، بل ومُثير للسخرية". وصرح على منصة "تروث سوشيال": "إنهم يُساعدون العدو ويُحرضونه!". أعقب هذا الخطاب صورة لخريطة عليها علم الولايات المتحدة فوق فنزويلا، مع تعليق يقول: "الولاية 51".

قبل سفره إلى الصين، ادّعى ترامب: "إيران تحت سيطرتنا تمامًا... إما أن نتوصل إلى اتفاق أو سنُلحق بهم هزيمة ساحقة. في كلتا الحالتين، سننتصر". هذه التصريحات مثيرة للشفقة وغير متزنة، لكنها تنذر بالخطر أيضًا، بحسب هيدجز.

تعزز الولايات المتحدة وجودها العسكري في المنطقة، حيث نُشرت مجموعة المدمرة "تريبولي" البرمائية الجاهزة، بجانب "وحدة المشاة البحرية 31" – 3500 بحار وجندي – وطائرات نقل ومقاتلات هجومية، ووحدات هجوم ودفاع تكتيكي. ونُشرت مجموعة السفينة "بوكسر" البرمائية الجاهزة، و2500 من مشاة البحرية من "وحدة المشاة البحرية 11"، والمجهزة بطائرات أف-35بي لايتنينغ الشبحية، وطائرات إم في-22 بي أوسبري بمراوح قابلة للإمالة، ومروحيات هجومية. كما أُرسِل 2000 مظلي أميركي للخليج، وتفيد تقارير بأنها تدرس تعزيز هذه القوات بعشرة آلاف جندي إضافي.

ورطة حقيقية

إن استئناف القصف الجوي، حتى مع هجوم بري محدود، سيضمن حربًا طويلة ومكلفة، ما يحقق هدف "إسرائيل" في تدمير إيران وتحويلها إلى دولة فاشلة، لكنه سيشكل ضربة قاضية أخرى للإمبراطورية الأميركية.

إن شنّ هجوم بري على جزيرة خارك، على بعد 16 ميلاً قبالة سواحل إيران، وتُعدّ ميناء التخزين والتصدير الرئيسي للنفط الإيراني، حيث تُجهز 90 في المئة من صادرات إيران النفطية، سيُحدث صدمة هائلة بالاقتصاد العالمي. وإذا حاولت القوات الأميركية احتلال أراضٍ إيرانية، فستنشر إيران ترسانتها من صواريخ كروز المضادة للسفن، وأخرى باليستية، ومسيّرات تحت الماء، وألغاماً بحرية، ما يجعل أي احتلال مميتًا. فأميركا في ورطة حقيقية.

يرى هيدجز أن إدارة هذا الصراع تتجاوز كثيراً قدرات الحمقى بإدارة ترامب. إنهم يُفضّلون بؤساً ودماراً عالمياً على الإقرار بالهزيمة. وعندما يواجهون حتمية الحقيقة المُرّة، سيكونون قد خلّفوا وراءهم أكوامًا من الجثث.

ليست المأساة في موت إمبراطورية لا يؤسف عليها، بل في أن الإمبراطورية تطيح بمصير كثير من الأبرياء معها.