ليلة إيرانية حمراء في وحدة الجبهات

الساعة 02:19 م|09 يونيو 2026

فلسطين اليوم | الكاتب محمد جرادات

يقال إنّ أحد الزوّار الغربيين سأل عالم دين إيرانياً بعد الثورة "لماذا تملأ الرايات الحمراء شوارع طهران"؟ فأجابه: "في الغرب يُذَكّرك الأحمر بأنّ حرباً وقعت، أما هنا في إيران فهو يذكّرك بأنّ الحرب لم تنتهِ بعد"، وما بين الراية الحمراء في مخيال الحرب الإيراني المرتبط بمفهوم الجهاد والثأر على درب الإمام الحسين، وبين الوردة الحمراء في عالم الشعر والأدب والتصوّف، ثمّة تكامل في النسيج النفسي الإيراني، أصبحت فيه زهرة "اللإله" (التوليب الأحمر) في الثقافة الإيرانية الحديثة أحد رموز الشهادة، حيث شاع الاعتقاد الشعبي بأنّ "التوليب الأحمر ينبت من دم الشهيد".

 وبالأساس تمثّل الوردة الحمراء في الشعر الفارسي الكلاسيكي، خاصة عند حافظ الشيرازي وجلال الدين الرومي؛ البلبل عاشقاً والوردة الحمراء معشوقته، عندما وقع البلبل في حبّ الوردة البيضاء، ولما حاول احتضانها جُرح صدره بأشواكها، فسقط دمه على بتلاتها فتحوّلت إلى اللون الأحمر، ومنذ ذلك الحين أصبحت الوردة الحمراء رمزاً للحب الممتزج بالألم والتضحية، ولهذا أصبحت الوردة الحمراء في المخيال الإيراني ترمز إلى الجمال الحقيقي الذي لا ينفصل عن المعاناة، وأنّ الحب والتضحية وجهان لقصة واحدة.

حمرة ليلة الثامن من حزيران/يونيو، كما صبيحته والشفق، حفرت في الوعي الشعبي الراهن، كما في السجال السياسي ومعادلة الميدان، ثمرة الوعد الصادق بتسلسل محطاته، وطالما احمرّت سماء فلسطين بخيبر والفاتح وخرمشهر في الحرب الأخيرة أربعين ليلة أو أقلّ، ولكنها في هذه الليلة على شرف الضاحية أضاءت حمرة اللون وتجاوزت القاني والقرمزي حتى حطّت بين يدي شقائق النعمان، وكأنها بعثت دم سماحة السيد من مرقده، حيث أشدّ درجات الأحمر توهّجاً هي تلك التي يلتقي فيها الدم بالوردة أو بالصلية؛ عندها لا يعود لوناً، بل يصبح قصة، فما هي قصة الليلة الحمراء التي عزفها حرس الثورة الإيراني بكلّ اقتدار؟

بدأت القصة قبل أربع سنوات بالتمام، حيث بدأت ملامح وحدة ساحات محور المقاومة تتكامل، خاصة بعد معركة سيف القدس في غزة، وغزة تبقى أصل القصة في كلّ محطاتها، كان مخيم جنين يغلي على وقع نفق الحرية في سجن جلبوع وفرار الأسرى الستة، وبدأ "جيش" الاحتلال يخسر في توغّلاته، فما كان منه إلا أن رفع شعار الثأر في طهران خاصة بعد مقتل أحد ضباطه في جنين، في وقت سارعت فيه سرايا القدس في غزة لربط الساحات مع جنين، فأُطلقت معركة وحدة الساحات بعد استباحة "جيش" الاحتلال لبيت الشيخ بسام السعدي، وقد نكّل به وبأسرته وقتل وجرح بعض فتية المخيم.

جاء الربط في جوانب المشهد بين جنين وغزة رمزياً أكثر منه واقعياً في تلك المرحلة، بحسب ميزان القوى المختل تماماً، ولكنّ العقل الإسرائيلي ظلّ يربط كلّ تطوّر في الساحات مع إيران، وهو ما دفعه لإطلاق حرب هجينة ضدّ إيران طوال عقود مضت، حتى تطوّرت إلى عدوان عسكري مباشر في حزيران/يونيو الماضي، ثمّ عدوان أوسع في الشهور الماضية، ليتوقّف عبر هدنة هشّة كان لبنان أحد مفاصلها، في وقت نجح فيه حزب الله بخلق قواعد اشتباك وفق مقاسه على امتداد الجنوب وفي عمق شمال الكيان، باعتبار الخرق يواجه بخرق أو خرقين.

اعتاد الإسرائيلي بدعم أميركي وغربي وتواطؤ عربي، أن ينسج كلّ هدنة يعقدها منذ عام 1948 وفق مزاجه العسكري ومشروعه السياسي، بما في ذلك هدنة الـ15 شهراً مع لبنان طوال عامَي 2024 و2025، وكذا الهدنة الراهنة مع غزة، حتى انتهز حزب الله فرصة العدوان الأميركي الإسرائيلي ضدّ إيران، ليدخل المعركة بكامل ثقله وقد حزم أمره بما فاجأ العالم، في ظلّ الصمود الإيراني الذي أشعل الحرب على امتداد المنطقة برمّتها، وما ترتّب على ذلك من فشل للعدوان، وما تبعه من تطوّرٍ لقدرة إيران على فرض معادلات جديدة، في ظلّ الإطباق على شريان مضيق هرمز، بعد تدمير القواعد الأميركية في معظم دول المنطقة، وانكشاف حدود القوة العسكرية الأميركية الإسرائيلية، وغموض حدود القوة الإيرانية.

الجديد الاستراتيجي بعد التثبيت الإيراني لمعادلة شمال فلسطين مقابل الضاحية:
استقرّ المشهد الإقليمي الراهن بعد المبادرة الإيرانية بقصف عمق الكيان الإسرائيلي بعد الاستهداف الإسرائيلي الرمزي للضاحية، على عدد من المعادلات الجديدة كما يلي:

أولاً: تكامل قوى المقاومة بين إيران ولبنان، بما تجاوز النظام اللبناني المرتهن للسياسات الأميركية، وبما تجاوز الضغط الإسرائيلي العسكري في جنوب لبنان، وقد أفرغه هذا التكامل الاستراتيجي من مفاعيله السياسية والميدانية.

ثانياً: انتقال إيران من استراتيجية الصبر الاستراتيجي قبل الحرب الأخيرة، إلى الدفاع الفسيفسائي طوال الحرب، والآن عبر المبادرة بالهجوم من دون أن تتعرّض أراضيها للهجوم، في معادلة متقدّمة فرضتها قوة الإرادة ووحدة القيادة وامتلاك القوة والنجاح في استخدام هذه القوة في الوقت المناسب. 

ثالثاً: خلق فجوة حقيقية في الحلف الأميركي الإسرائيلي، في توقيت سياسي حسّاس لنتنياهو وهو على أبواب انتخابات مصيرية، وقد اتسعت الفجوة في ظلّ التهديد الأميركي لنتنياهو بأنه سيجد نفسه وحيداً ضدّ إيران، وهو ما اضطره لوقف الردّ على الردّ الإيراني الثاني صبيحة الثامن من حزيران/يونيو، بل واضطره لتجاهل تهديده بمعاودة قصف الضاحية إذا قصف حزب الله شمال فلسطين، وهو ما فعله حزب الله مباشرة بقصف كريات شمونة، ليتذرّع الإسرائيلي بعدها أنّ هذا قصف لتجمّعات عسكرية لا يستدعي تنفيذ تهديد قصف الضاحية!!!

رابعاً: تآكل قوة الردع الإسرائيلية والتي سبق أن تحقّقت بعد حرب الإبادة في غزة، ونجاح الاغتيالات النوعية الإسرائيلية في لبنان وفلسطين وإيران، وتهجير مخيمات شمال الضفة، والاختراق المتواصل في جنوب سوريا، تآكل يتحدّث عنه الآن معظم رجال الإعلام والقادة البارزين في الكيان، على الرغم من أكاذيب نتنياهو وكاتس التي سقطت أمام الرأي العامّ الإسرائيلي.

لهذا اعترف المراسل العسكري لقناة i24 الإسرائيلية المقرّبة من المنظومة الأمنية والمحسوبة على اليمين الوسط، صراحة أنّ تطوّرات الساعات الـ24 الماضية انتهت بتآكل قوة الردع الإسرائيلية، وأنّ هذا الآن يمثّل القلق الأكبر في "الجيش" الإسرائيلي، والسبب بحسب قوله "أنّ الجيش لم يعد قادراً على المهاجمة لأنّ الإيرانيين لا يكتفون بالتهديد فقط، بل ينفّذون تهديداتهم بإطلاق أكثر من 20 صارخاً باتجاه إسرائيل، في حين أننا هاجمنا فقط مقرّين وشقّتين داخل بيروت" بعد أن استحضر نجاح "إسرائيل" قبل أقلّ من عامين في اغتيال قادة حزب الله وتدمير عشرات المباني في الضاحية من دون أن تفكّر إيران في التدخّل، ولكن الآن تغيّر الواقع، وتآكلت كلّ الإنجازات وذلك بسبب المفاوضات الحالية التي أوصلت "إسرائيل" بحسب ما ختم به قوله للمراوحة في معادلة جديدة فرضتها إيران.

 معادلة وجدت قوة الردع الإسرائيلية نفسها أمام صدمة المبادرة الإيرانية في مقابل ردّ إسرائيلي محدود، ثمّ انكفاء عن متابعة الردّ في وقت لم يتردّد فيه الإيراني كما حزب الله عن مواصلة تنفيذ وعوده التي غيّرت المعادلات السابقة بعيداً عن الاعتياد الإسرائيلي التقليدي.

خامساً: تمهيد إيراني لفرض وحدة الجبهات من بيروت نحو غزة، حيث أصل الحكاية وميدانها الأساس، بعد أن انكشفت توجّهات السياسة الأميركية الراهنة بعد قرار الكونغرس الأميركي بتقييد صلاحيات الرئيس في الحرب على إيران، نظراً للواقع المرير الذي أدخلته هذه الحرب على أميركا، في وقت صدرت فيه إشارات صريحة من قائد قوة القدس إسماعيل قاآني تجاه فرض الهدنة في غزة، وجاء اتصال وزير خارجية إيران عباس عراقتشي مع مسؤول حركة حماس في غزة خليل الحيّة مباشرة بعد القصف الإيراني للكيان الإسرائيلي، وتلميح حماس أنّ ثمة توجّهاً على هذا الصعيد، ما يشير إلى احتمال أن تدعم حماس هذا التوجّه الإيراني خاصة بعد فشل مساعي حماس في دفع الوسطاء لوقف الخروقات الإسرائيلية اليومية في غزة، إضافة إلى توجّهات اليمن نحو غلق مضيق باب المندب وربط ذلك بوقف نزيف غزة. 

تصاعد متسارع في المشهد الإقليمي، تتقدّم فيه إيران استراتيجياً بقوة سواعدها، وحنكة سياسيّيها، ووفائها مع حلفائها، ووحدة شعبها خلف قيادتها، هو تقدّم لا تراجع فيه للوراء خطوة واحدة، وقد ربط مرشدها السيد مجتبى خامنئي هذا التسارع بعقارب سنوات هذا الكيان وهي في طور النزول

كلمات دلالية