على وقع وضع سياسي شائك، جاءت حوارات الفصائل الفلسطينية كافةً مع الوسطاء في العاصمة المصرية القاهرة لتنفيذ مراحل اتفاق وقف إطلاق النار المتعثرة، وإعادة الوهج لقطاع غزة، الذي أصابه الخرس السياسي الدولي، بفعل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ولبنان، وفقدان الاهتمام الدولي.
وترتكز جولة الحوارات الحالية، على ورقة الممثل السامي لمجلس السلام نيكولاى ميلادينوف لتنفيذ هذا الانتقال، والربط بين المرحلتين الأولى والثانية، مع نقاشات مركزية ومستفيضة حول نزع أو تسليم السلاح بغزة.
وعلى الرغم من أن المصادر المطلعة على الحوارات تؤكد أن الأمر بات محسوماً وأن مسألة الموافقات تمت لكن بات النقاش حول الآليات والتفاصيل، التي تؤكد فيها الفصائل على ضرورة أن يتم الأمر وفق سياق وطني فلسطيني بعيداً عن الاحتلال وشروطه.
ووفق مصادر مطّلعة، فإن الوسطاء نجحوا في تقريب وجهات النظر بشأن 13 بندًا من المقترح، بينما بقيت نقطتا الخلاف الأساسيتان محصورتين في ملف السلاح والانسحاب الإسرائيلي.
وحسب مصادر مطلعة يجرى الحديث عن حماية كرامات وحياة وحقوق الناس "المقدسة" مع وضع محددات وقواعد وأسس نزع السلاح أولاً ضمن إطار وطني فلسطيني خالص لضمان السلم الأهلي وعدم حدوث فراغ أمني وانهاء ظاهرة الميليشيات المسلحة المشغلة إسرائيلياً.
تفاصيل الاتفاق
للتذكير، تضمنت المرحلة الأولى من الاتفاق وقف إطلاق النار والحرب "الإبادة والمقتلة والتجويع والتهجير" نهائياً، وانكفاء الاحتلال فوراً إلى الخط الأصفر وتبادل الأسرى الأحياء والأموات كلهم مرة واحدة، وفتح المعابر وإدخال، بل إغراق غزة بالمساعدات الإنسانية، والشروع بالتعافي المبكر والايواء العاجل تمهيداً لعملية إعادة الإعمار الضخمة فيما بعد التي تستغرق سنوات وربما عقود، مع ميزانية مبدئية تراوح حول 80 مليار دولار تقريباً.
أما المرحلة الثانية، فتتضمن تشكيل مجلس السلام برئاسة ترامب والهيئات المرتبطة به، أي المكتب التنفيذي وقوة الاستقرار الدولية ولجنة التكنوقراط الوطنية لإدارة غزة، وفرض سيطرتها الكاملة إدارياً وأمنياً على القطاع، لتنفيذ مهامها الجسام بما في ذلك تسليم السلاح وفق قاعدة سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد، علماً أن اللجنة هي هيئة حكم انتقالي مؤقتة وضمن تفويض زمني محدد إلى حين تشكيل قيادة فلسطينية موحدة لتولي مسؤولياتها كاملة في غزة والضفة الغربية، ضمن أفق ومسار سياسي نحو الدولة الفلسطينية وتقرير المصير.
إسرائيل لم تلتزم كعادتها باستحقاقات المرحلة الأولى رغم انكفائها وواصلت الهجمات والغارات والاغتيالات والقتل وتلاعبت بكميات ونوعيات المساعدات، كما ماطلت في فتح معبر رفح ولا تسمح بحرية حركة جدية وواسعة عبره من وإلى القطاع المحاصر والمنكوب.
المحلل السياسي وسام عفيفة، رأى أن عقدة السلاح تقترب من مخرج سياسي، في حوارات الفصائل التي تجري في القاهرة، واصفاً ما يدور فيها بالمعركة من نوع آخر وهي معركة الصياغات والضمانات والتفاهمات.
وأشار عفيفة، إلى أن المعلومات المتداولة من أجواء الحوار تشير إلى أن الوسطاء يبذلون جهودًا مكثفة لإعادة صياغة البندين الثامن والتاسع، وهما البندان المرتبطان بملف السلاح، باعتبارهما العقبة الرئيسية المتبقية أمام التوصل إلى تفاهم أوسع.
وقال :" اللافت أن النقاش لم يعد يدور حول مبدأ الرفض أو القبول، بل حول الكيفية والتوقيت والضمانات، فالفصائل الفلسطينية تمسكت بجملة من المحددات الواضحة: عدم المساس بالسلاح الفردي، وربط أي ترتيبات تخص السلاح بمسار الانسحاب ومراحله، وعدم الحديث عن تسليم أي سلاح قبل إنهاء ظاهرة العصابات العميلة، وأن يتم أي إجراء في هذا الملف ضمن إطار فلسطيني خالص، وصولًا إلى ربطه بحل سياسي شامل لا بترتيبات أمنية مؤقتة."
وأضاف:" هذه المقاربة تفتح عمليًا مساحة للحركة أمام الوسطاء، لأنها تنقل النقاش من سؤال “هل يتم ذلك أم لا؟” إلى سؤال “كيف ومتى وتحت أي ظروف؟”.
واعتبر عفيفة، أن الساعات المقبلة "مهمة"، والمشهد لا يوحي بانهيار الحوار، بل بمحاولة جادة لتقريب المسافات وبناء صيغة تحفظ الثوابت الفلسطينية من جهة، وتمنح الوسطاء فرصة تحقيق اختراق سياسي من جهة أخرى.
وتابع:" يمكن القول إن القاهرة لا تبحث اليوم عن اتفاق جديد بقدر ما تبحث عن جسر يعبر فوق آخر عقدة تعترض الطريق."
على الرغم من كمية التفاؤل في هذه الجولة التي لم يتابعها الفلسطيني كونه مشغولاً بأزماته اليومية، تبقى نقاشات القاهرة حبراً على ورق طالما لم يتم الحصول على ضمانات حقيقية وواضحة من الضامنين وممثلي مجلس السلام لتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، ووقف عمليات القتل والقصف اليومية في القطاع.