أحمد عبد الرحمن
خلال الشهور السبعة الماضية من عمر التهدئة في قطاع غزة، سقط العشرات من الشهداء والجرحى نتيجة عمليات الاغتيال الإسرائيلية المتتالية، والتي استهدفت بشكل خاص قادة من الصفّين الأول والثاني في فصائل المقاومة الفلسطينية، كان على رأسهم قائدي أركان كتائب القسام في القطاع عز الدين الحدّاد ومحمد عودة، إلى جانب العديد من القادة الآخرين الذين كانوا يتولّون مهام حسّاسة تُعنى بملفات معقّدة وبالغة الأهمية.
من أكثر وحدات المقاومة التي تلقّت ضربات موجعة خلال الفترة الماضية كانت تلك المعنية بفرض الأمن والاستقرار في القطاع الصغير والمنكوب، سواء تلك التابعة للأجهزة الأمنية الحكومية، أو نظيراتها في أجهزة أمن المقاومة، والتي تضطلع بدور أمني واستخباري حاسم في قطاع غزة خصوصاً بعد اندلاع الحرب.
منذ بداية العدوان على غزة أواخر العام 2023، عمد جيش العدو إلى استهداف كل الأجهزة الشرطية الحكومية، وتدمير مراكزها ومقدّراتها بشكل كامل، وصولاً إلى استهداف واغتيال قادتها ومسؤوليها من الرتب والمناصب كافة، حيث سقط من أفراد وضبّاط هذه الأجهزة الآلاف بين شهيد وجريح، ما سمح بحدوث عملية فراغ أمني غير مسبوقة، أدّت إلى نتائج كارثية كان من بينها انتشار السرقات، وارتفاع مستوى الجريمة، وازدياد معدّل القتل على خلفية المشاكل العائلية بصورة كبيرة.
وعلى الرغم من الجهود المضنية التي بذلتها هذه الأجهزة لتدارك الخلل الكبير الذي نتج عن عمليات الاستهداف الإسرائيلية، ومحاولاتها الحثيثة لإعادة تنظيم صفوفها من جديد، مستفيدة من الكوادر الشابة والفتيّة التي عملت ضمن صفوفها، إلا أن ضراوة الاستهداف الصهيوني، واستمراره من دون هوادة منعها من تحقيق الجزء الأكبر من خطط الطوارئ التي سعت لتنفيذها خلال فترة العدوان.
بعد فترة حرجة من الفراغ الأمني استمرت عدة شهور، سعت فصائل المقاومة الفلسطينية لتعويض جزء من الخلل الناتج عن توقف عمل الأجهزة الشرطية والأمنية، مخصّصة مجموعات مختارة من عناصرها للقيام بهذا العمل، ولا سيّما من المنضوين تحت جناح الوحدات الأمنية التابعة لها، والذين يملكون خبرة طويلة في مجال الأمن المجتمعي، وحماية الجبهة الداخلية، إلى جانب مواجهة الطابور الخامس المتعاون مع الاحتلال، وملاحقته وإحباط مؤامراته ومخطّطاته.
وبالرغم من أن هذه الوحدات تعرّضت هي الأخرى لاستهداف صهيوني كما كانت الحال مع الأجهزة الشرطية والأمنية الحكومية، إلا أنها كانت أقدر على مواجهة تأثيرات تلك الاستهدافات، وتخفيض تداعياتها إلى أدني درجة، وذلك نتيجة عملها بطريقة غير مركزية، وعدم اعتمادها على التحركات المكشوفة، أو استخدام مركبات وآليات معروفة، إضافة إلى عدم الكشف عن هوية العناصر العاملة في هذا المجال الحيوي والحسّاس.
بعد خمسة شهور تقريباً من بداية العدوان على القطاع، تمكّنت أجهزة أمن المقاومة، وإلى جانبها بعض الأجهزة الحكومية التي استعادت قدرتها على العمل من ضبط الوضع الأمني في قطاع غزة بدرجة كبيرة، وهو وإن لم يصل إلى الوضع الذي كان سائداً قبل الحرب، إلا أنه تجاوز بمراحل الأوضاع التي سادت بعيد اندلاع الحرب، خصوصاً في شهورها الأربعة الأولى.
خلال الشهرين الأخيرين، رفع جيش الاحتلال الصهيوني من وتيرة استهدافاته لأجهزة أمن المقاومة، بعد أن حصل كما يبدو على معلومات عن بعض قادتها رفيعي المستوى، وهو الأمر الذي انسحب على أجهزة الأمن الحكومية، والتي استعادت بعض مراكزها ومنشآتها خلال فترة الهدنة الحالية، حيث قام الاحتلال باستهداف تلك المنشآت والمراكز والمقرّات، وقتل من كان بداخلها، حتى من النزلاء او المراجعين المدنيين.
على صعيد أجهزة أمن واستخبارات المقاومة قام العدو باستهداف العديد من قياداتها النشطة، سواء عبر الاغتيال المباشر بواسطة الطائرات الحربية أو طائرات الاستطلاع، أم من خلال الميلشيات العميلة التي قامت بتنفيذ عدّة عمليات اغتيال تركّز معظمها في محافظتي الوسطى وخان يونس، والتي استهدفت قيادات أمنية رفيعة وذات باع طويل في العمل الأمني والاستخبارات المضادة، في حين فشلت مجموعة أخرى من العمليات كان مقرراً لها أن تستهدف مسؤولين كباراً في أجهزة أمن المقاومة.
قبل عدّة أيام قصفت طائرات الاحتلال مجموعة من الشقق السكنية في أربع مناطق مختلفة من مدينة غزة، مخلّفة عدداً كبيراً من الشهداء والجرحى من الرجال والنساء والأطفال، كان من بينهم، كما كشفت المعلومات، قادة رفيعو المستوى في جهاز الأمن العام التابع لحركة حماس، وهو أحد أكثر أجهزة أمن المقاومة حيوية وفاعلية، ويُنظر إليه بأنه جهاز الأمن المركزي والأكثر نشاطاً داخل أراضي القطاع.
في قطاع غزة يُنظر إلى عمليات الاستهداف الممنهجة ضد أجهزة أمن المقاومة ونظيراتها من الأجهزة الأمنية الحكومية بأنها تأتي بغية تحقيق جملة من الأهداف، يقف على رأسها إظهار قطاع غزة بأنه منطقة لا تخضع لأي قوانين، وأن الانفلات الأمني هو السمة السائدة فيه، وأنه منطقة خطرة على كل من بداخله، وأن على المجتمع الدولي دعم أي جهة أمنية أو سياسية غير المقاومة لإصلاح هذا الوضع، والسيطرة على ما قد ينتج عنه من تداعيات.
هذا الأمر يجري السعي لتحقيقه من خلال عدة طرق، منها نشر الشائعات والأخبار الكاذبة، والتي تعتمد على جملة من المغالطات والأرقام المبالغ فيها، ولا سيّما فيما يخص حجم الانفلات الأمني، ومستوى العنف المستشري في صفوف المجتمع، والذي وإن كنا لا نستطيع نفيه بالكليّة، إلا أنه أقل بكثير مما تحاول شائعات العدو وعملائه تصويره للناس.
طريقة أخرى يستخدمها العدو لإثبات سرديته حول الواقع الأمني في قطاع غزة، وهي تغذية النزاعات العائلية، والتي باتت جزءاً لافتاً من الحياة اليومية لسكّان القطاع، إذ يقوم الاحتلال بواسطة عملائه وعبر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ببث روح الكراهية بين المواطنين، وتعميم ثقافة المواطن والنازح، والغني والفقير، ومن يملك بيتاً أو شطر بيت ومن يملك خيمة أو كوخاً من الصفيح.
هذه المقارنات التي يسعى العدو لتحويلها إلى ثقافة مجتمعية باتت سبباً أساسياً في كثير من النزاعات، وأضحت ملازمة في كثير من الأوقات لعمليات القتل والسرقة التي انتشرت خلال الفترة الأخيرة بصورة لافتة، ولا سيّما مع معاناة معظم أهالي القطاع من الفقر والعوز وقلّة ذات اليد.
في هذه النقطة تحديداً تبيّن للجهات الأمنية في غزة أن العدو يسهّل كثيراً حدوث النزاعات العائلية من خلال توفير السلاح لبعض المتقاتلين من خلال العملاء، وفي أحيان أخرى استهداف قوات الأمن التي تهرع لفك الاشتباكات خصوصاً المسلحة منها، وهو أمر بات ملاحظاً عند حدوث أي نزاع أو شجار، كما يستخدم الاحتلال وسائل التواصل الاجتماعي للتحريض وإذكاء الفتنة من خلال صفحات مجهولة وغير معروفة المصدر.
هدف ثانٍ يسعى الاحتلال إلى تحقيقه وهو يتعلّق بتمهيد الأرضية لدور أكبر للميلشيات المتعاونة معه خلال المرحلة المقبلة، إذ إن الكثير من المعلومات المتداولة تشير إلى هذه المجموعات يمكن أن تلعب دوراً أوسع من الذي كان منوطاً بها منذ تشكيلها وحتى الآن.
هذا الدور يتعلّق بالأساس بالسيطرة على مساحة أكبر من أراضي القطاع، سواء من تلك الواقعة داخل المنطقة الصفراء كما هو حاصل الآن ،حيث مكان تجمّع وإقامة تلك الميلشيات، أم في المناطق المحاذية للخط الأصفر، والتي يقوم الاحتلال خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة بتمديد تموضع قواته فيها إلى مستويات جديدة، وصلت في بعضها إلى عمق سبعة كيلومترات باتجاه الغرب كما هي الحال في محافظة خان يونس، وفي أماكن أخرى كمدينة غزة إلى ثلاثة كيلومترات ونصف، مع الإشارة إلى أن عرض القطاع من شرقه إلى غربه يتفاوت من محافظة إلى أخرى، حيث يبلغ في خان يونس مثلا ًحوالى 14 كلم ،فيما يقلّ في محافظتي غزة والشمال إلى ستة كيلومترات ونصف تقريباً.
ما يعزّز هذه الفرضية هو المواقع المستحدثة التي تم إنشاؤها مؤخراً بالقرب من حدود الخط الأصفر، والتي توجد فيها بشكل حصري عناصر الميلشيات العميلة، والتي باتت تستخدمها كنقطة انطلاق لعمليات قطع طريق صلاح الدين أهم طرق القطاع وأكثرها حيويّة، واختطاف العديد من المواطنين الذين يسلكونه باتجاه مدينة غزة أو بالعكس، إلى جانب تنفيذ بعض الهجمات على مناطق قريبة منه كما حدث مؤخرا في الشارع الرقم 10 جنوب حي الزيتون بمدينة غزة.
من وجهة نظر إسرائيلية تُعتبر أجهزة أمن المقاومة "العدو" الأساسي لمثل هذا النوع من الأنشطة التخريبية، وهي القادرة كما أثبتت التجربة خلال المرحلة الماضية على مواجهة تمدّد هذه الجماعات، وكبح جماحها، والضرب بكل قوة على يدها، وبالتالي أصبح هناك حاجة ملحّة لإضعاف هذه الأجهزة، وتفكيك بنيتها التنظيمية، وإفقادها لتوازنها خصوصاً عند استهداف قياداتها الكبيرة والمؤثرة.
على كل حال، قد تكون لدى الاحتلال أهداف أخرى يسعى لتحقيقها من خلال استهداف أجهزة أمن المقاومة بهذه الطريقة الممنهجة والمتواصلة، من بينها بث اليأس والخوف في صفوف سكان القطاع، وإشعارهم بأن القوة التي كانت تحميهم وتدافع عنهم، قد تلاشت أو فقدت تأثيرها بالحد الأدنى، وهذا الأمر قد بدا واضحاً في بعض المنشورات التي تظهر على صفحات إسرائيلية من بينها صفحة "المنسق "، وهو الأمر الذي يمكن أن يؤدي من وجهة نظر قادة الكيان إلى حدوث حالة من الهجرة الجماعية إلى خارج القطاع في مرحلة معينة.
إلا أنه بخلاف كل ما يخطّط له الاحتلال، فإن أجهزة أمن المقاومة، ومعها الأجهزة الأمنية الحكومية ما زالت تمسك بزمام الأمور بطريقة لافتة، وهي بالرغم مما تعرّضت له من استهدافات وخسارات، إلا أنها تحافظ على تماسكها وصلابتها، وتقوم بالأدوار والمهام المنوطة بها بكل عزيمة واقتدار، حيث غنها تعلم أن انهيارها سيشكّل ضربة قاضية لمجمل مشروع المقاومة في قطاع غزة، وللأمن المجتمعي الذي يُعدّ ركيزة أساسية من أجل استمرار رحلة الصمود والثبات في وجه العدوان الوحشي والبربري، وأن الضريبة التي تدفعها من دماء قادتها وعناصرها ومنتسبيها ستكون سبباً في يوم من الأيام لرحيل هذا الاحتلال البغيض عن أرض فلسطين التاريخية من دون رجعة، وهي تعلم أيضاً أن هذا اليوم بات قريباً جداً، وهو بحاجة فقط إلى مزيد من الصبر ،وإلى مزيد من التضحيات.