قريبا سأجتمع مع مجتبى".. " لن أجتمع مع مجتبى إلا إذا وقع الاتفاق". تصريحان متناقضان يفصل بينهما يومان أطلقهما ترامب. لا يمكن أن يطلقهما إلا شخص مصاب بالفصام. هذا ما يقوله العارف بطبيعة الأمور والمتابع التناقضات وأكاذيب ترامب.
أما الجاهل أو المصدق لهذا الأهوج فيعتقد أن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية يلهث وراء ترامب ويتوسل إليه كي يصافحه. فترامب يقف في "علياء" جنونه، ينظر للعالم بازدراء، فسكانه مجرد مليارات من الحشرات بوسعه أن يسحقها وقتما يشاء وكيفما يشاء دون رادع.
أو ربما بمبيد حشري أسهل، يهدد ويتوعد، يرغي ويزبد، فالعالم ملك يمينه وحق له أن يفعل به ما يريد، فهو يقف على قمة الكون ويملك مفتاح الحياة لكل فرد وكلمة السر لكل مدينة وقرية وبلدية ومخيم وأي تجمع سكاني، وكلما هدأت هوجائيته قليلاً ينفخ نتنياهو فيها فتشتعل من جديد وينطلق بأكاذيبه التي لا يصدقها أحد.
مجنون مثله يظن أنه يمتطي صهوة العالم الساكن الساكت بمنتهى الأريحية فيظن أمام إذعان مواليه أنه قادر أن ينزع عن دولة عظيمة هيبتها ومن قيادة دولة راسخة ثباتها ويقينها.
لم يسأل نفسه ترمب ولا حليفه في الجريمة والتواطؤ والعنجهية والنتانة نتنياهو كيف استطاع المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية أن يجمع ملايين البشر في الساحات تأييداً له وتعبيراً عن عمق انتمائهم للجمهورية أرضا وسماء، تاريخا وجغرافية ، قيادة وشعبا، وبالمقابل استطاع ترمب أن يجمع الملايين في بلاده وفي العالم للتنديد بدوره القذر وسخرية بأكاذيبه ورفضا لهيمنة بلاده ولصهيونيته؟
لم يدرك ترمب ولا النتن أو ربما لا يريدان الاعتراف أنهما فشلا أيما فشل، ليس فقط في معركة تثبيت القوة على الأرض، بل - وهذا هو الأهم - هزما في معركة الوعي التي خاضها محور المقاومة باطرافه المتعددة بكل اقتدار.
فهما - أي الأميركي والإسرائيلي- عدو يحرق الزرع والضرع، ولا يهتم لأية إبادة وأية جريمة على الأرض، ولا حتى يكترث بصراخ جنوده وانهيارات هم. فقبل أيام قليلة أعلن إعلامهم عن وصول عشرين ألفا من جنودهم المصابين في المعارك أو المصابين بأمراض نفسية جراء الحرب إلى سوق العمل.
فمن تسول له نفسه أن يشكك في قدرات حزب الله عليه أن ينظر للتأثيرات على الأرض وينظر إلى صفحات المستوطنين على وسائل التواصل الاجتماعي ليرى كمية اليأس والإحباط الذي رأيته قيادتهم في نفوسهم، خاصة مستوطنات الشمال.
وبرغم حجم التعتيم الإعلامي وحجم الأخبار الممنوعة وصور الأقمار الصناعية المحجوبة عن الجمهور إلا أن شمس المقاومة لا تغطيها عباءة نتنياهو ولا عباءة ترمب ومواليه.
فهذا الخبر عينة صغيرة من مئات الأخبار التي تنشرها وسائل الإعلام الصهيونية من يمينها إلى يسارها، ونشرته صحيفة معاريف اليمينية العبرية:
• الولايات المتحدة و"إسرائيل" لا يملكان ولو ذرة إنجاز من أهداف الحرب
• إيران لم تُهزم وحزب الله لم ينهر
• هناك منتصرة واحدة في الحرب وعلى ما يبدو ليست الولايات المتحدة أو "إسرائيل"
• 35 % من "الجمهور الإسرائيلي" يرون أن الوضع الأمني بات أسوأ بعد الحرب على إيران
سواء صرحت معاريف أم لم تصرح باسم الدولة المنتصرة، فالدولة المنتصرة معروفة، لكن الإعلام الصهيونية يحاول أن يحفظ ماء وجه رعاته وأسياده من خلال عدم تفكيرهم بالكابوس الجاثم على صدورهم. إنه محور المقاومة من إيران حتى اليمن.
وبحسب مراكز استطلاع أميركية فإن آخر استطلاع للرأي في الولايات المتحدة أشار إلى أن نسبة 59% من الأميركان لا يثقون بترمب وإدارته، وأن ٦٨% من الجمهور "الإسرائيلي" لا يثقون بنتنياهو حسب استطلاعات الرأي في "تل أبيب".
وترتفع نسبة عدم الثقة بالشخصيين بين يوم وآخر، ذلك أنهما كلما مر يوم ازدادت تورطت في الكذب على الجمهور والابتعاد عنه، بالمقابل فإن الجمهور الإيراني المؤيد لقيادته، إذ يدخلون الي اليوم المئة على التوالي من مسيرات التأييد في شوارع المدن الإيرانية وتعاظم عددهم يوماً عن يوم. وازدادوا اقتنائها وتأييدا، ليس من قبل المؤيدين فحسب بل من قبل المعارضة التي تحول كثيرون منها إلى رفض للعدوان الأميركي الصهيوني دون أن يتخلوا عن مواقعهم ومواقفهم المعارضة.
وختاما لا مجال للمقارنة بين من يحصد التأييد المطلق وبين من يحظى بالتنديد المطلق، ولا يمكن أن نساوي بين من يخرج الملايين معلنين ولاءهم له ومن يخرج الملايين للمطالبة بتنحيه أو إقالته.
أمام الكبار يتضاءل المستكبرون وينهزمون، ولا ينتشلهم صغار المعصومين العرب من وحل هزائمهم، لا بالمفاوضات ولا بالتنازلات المهينة، فاقد الشيء لا يعطيه. فالمهزوم لن ينقذ مهزوماً. ومن العار أن يحاول الأعراب رؤساء أو وزراء أو أحزابا أن يبيضوا الصفحات السوداء للعدو البالغ في دم اطفال العرب. وهم يرون أن العدو لا يحترم قوانين ولا يلتزم باتفاقية ولا يمكن أن يوثق به. لم يلتزم باتفاقية مع حركة حماس حتى يلتزم بأي اتفاق، لم يحترم تنازلات حكومة عباس حتى يلتزم باتفاق مع حكومة سلام.مهما ارقام من ماء وجوهكم لن تحظوا سوى بالمزيد من المهانة.