تتجه منطقة الشرق الأوسط نحو لحظة حسم سوف يتعين فيها على الرئيس ترامب أن يختار بين إنهاء حرب على إيران أخفقت في تحقيق أهدافها، ما يعني اضطراره التسليم ضمناً بالهزيمة مهما تظاهر بالإنكار في العلن، أو العودة لاستئناف قتال بات من المؤكد أنه سيفضي إلى حرب استنزاف طويلة قد تنتهي بهزيمة استراتيجية كبرى للولايات المتحدة، ما يفسر حالة عدم اليقين التي سادت أجواء البيت الأبيض خلال الأسبوع الماضي.
فقبل أن يدلف إلى غرفة العمليات في البيت الأبيض لترؤس اجتماع مجلس الأمن القومي المخصص لمناقشة مذكرة التفاهم التي انتهت إليها المفاوضات غير المباشرة مع إيران، نشر ترامب على موقعه الشهير على وسائل التواصل الاجتماعي رسالة مفادها أنه لن يوقع على أي اتفاق لا يتضمن التزاماً إيرانياً قاطعاً بشرطين رئيسيين، الأول: عدم امتلاك السلاح النووي قطعياً، والثاني: فتح مضيق هرمز أمام حركة النقل البحري من دون قيود وبلا رسوم، ثم اختتم رسالته قائلاً: "لن أوافق على صرف أي أموال لإيران حتى إشعار آخر".
ما أن انتهى هذا الاجتماع، الذي انعقد يوم 29/5/2026 واستمر لأكثر من ساعتين من دون أن يتمكن من اتخاذ أي قرار، حتى نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" تصريحاً نسب إلى "مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية"، جاء نصه كالآتي: "لن يبرم ترامب صفقة إلا إذا كانت تتسق مع خطوطه الحمراء وتصب في مصلحة الولايات المتحدة".
ولأن "خطوط ترامب الحمراء" كانت معلومة سلفاً للدبلوماسيين الأميركيين الذين يمثلونه في المفاوضات غير المباشرة مع إيران، والذين يفترض أن يكونوا قد شاركوا بأنفسهم في صياغة مذكرة التفاهم المشار إليها آنفاً، فقد بدا واضحاً أن شيئاً ما حدث وتسبب في تراجعه في اللحظة الأخيرة، ما أثار تساؤلات حائرة حول حقيقة الأسباب التي أدت إلى هذا الوضع، خصوصاً وأن رفض التوقيع على هذه المذكرة لم يترتب عليه قرار باستئناف الحرب على إيران، حيث بدا ترامب شديد الحرص على استمرار الاتصالات، وحرص على إظهار إيران بمظهر الطرف الراغب في التوصل إلى اتفاق، والإيحاء بأن القضايا الخلافية المتبقية باتت محدودة وقابلة للجسر. فكيف نفسر ما حدث، خصوصاً وأن إيران وصفت ما ورد في تغريدة ترامب بأنه "كذب صارخ يناقض ما تم الاتفاق عليه في مذكرة التفاهم".
لفهم حقيقة ما جرى، يتعين الانتباه إلى مسألة بالغة الأهمية، مفادها أن ترامب بات مضطراً إلى التفاوض مع نظام شن عليه الحرب مرتين، وسعى لإسقاطه بالتنسيق مع "إسرائيل" التي ترى فيه تهديداً وجودياً لها.
ولأنه كان قد صرح في أعقاب الحرب الأولى مؤكداً أن منشآت إيران النووية دمرت بالكامل، ثم عاد وصرح في أعقاب الحرب الثانية مؤكداً أن ترسانتها الصناعية/العسكرية دمرت بنسبة لا تقل عن 90%، فقد استنتج كثيرون أن إيران لحقت بها هزيمة كبرى، ومن ثم فلم يعد أمامها من خيار آخر سوى التوقيع على صك الاستسلام.
غير أنه سرعان ما تبين أن تصريحات ترامب تنطوي على قدر كبير من المبالغة وربما تكون موجهة أساساً للاستهلاك المحلي، كما تبين أن النظام الإيراني أثبت قدرة هائلة ليس على البقاء والصمود فحسب وإنما أيضاً على إدارة حرب غير متكافئة بكل كفاءة واقتدار.
فعلى الصعيد العسكري، أثبت أن لديه قدرة فائقة على إلحاق الأذى ليس "بإسرائيل" فحسب وإنما أيضاً بالقواعد والمصالح الأميركية في منطقة الخليج ككل.
وعلى الصعيد السياسي والدبلوماسي، أثبت أنه قادر على الإمساك بأوراق تفاوضية بالغة الأهمية من شأنها إجبار الولايات المتحدة على التفاوض معه من موقع الندية.
صحيح أن الولايات المتحدة ردت على إغلاق إيران لمضيق هرمز بفرض حصار بحري على موانئها الواقعة على الخليج، غير أن هذه الخطوة كانت في حد ذاتها كاشفة عن دخول الأزمة مرحلة تتسم بالتوازن والندية بأكثر مما كانت كاشفة عن رجحان الكفة الأميركية في موازين القوى الشاملة بين الطرفين المتصارعين.
فلو كان بمقدور الولايات المتحدة حسم الأزمة عسكرياً لكانت تمكنت من فتح مضيق هرمز بالقوة، ولاستطاعت بالتالي انتزاع أهم الأوراق التفاوضية من يد إيران، وهو ما لم يحدث، ما يفسر اضطرار الولايات المتحدة إلى الدخول في مفاوضات غير مباشرة مع إيران رغم الفقدان التام للثقة بين الطرفين.
والواقع أن بوسع أي متتبع محايد لهذه المفاوضات أن يلحظ أن كفة إيران فيها ترجح على الكفة الأميركية، إذ رفضت صيغة المفاوضات المباشرة، ما أجبر الولايات المتحدة على قبول صيغة المفاوضات غير المباشرة عبر الوسيط الباكستاني، وتمكنت من فرض جدول أعمالها هي على طاولة التفاوض، بدليل نجاحها في إسقاط وحذف البنود الخاصة ببرنامجها الصاروخي وعلاقتها بالحلفاء الإقليميين، وأصرت على تأجيل البحث في تفاصيل البرنامج النووي إلى ما بعد الاتفاق على إنهاء الحرب، كما أصرت على أن يسري وقف إطلاق النار على الجبهات كافة، وليس على الجبهة الإيرانية وحدها.
وأمام هذا الإصرار الإيراني على التفاوض غير المباشر من موقع الندية الكاملة، جرب ترامب أسلوب التخويف والوعيد، وصل إلى حد التهديد بمحو الحضارة الإيرانية، لكن إيران لم ترتجف وأكدت أنها تفاوض ويدها على الزناد، فحاول ترامب اختبار صلابة الموقف الإيراني، محاولاً فتح المضيق عنوة، لكنه فشل واضطر إلى التراجع بعد أقل من 24 ساعة من بدء المحاولة، وبالتالي راح يسلك طريق التنازلات، وهو ما عكسته مسودة "مذكرة التفاهم" التي قرر ترامب عرضها على مجلس الأمن القومي، لكنه تراجع عن التوقيع عليها في آخر لحظة، كما سبقت الإشارة.
طرحت اجتهادات كثيرة لتفسير تراجع ترامب المفاجئ، أهمها انقسام الآراء في مجلس الأمن القومي بسبب ضخامة ما قدم من تنازلات. فوفقاً للتسريبات الإعلامية، تضمنت مذكرة التفاهم ما يشير إلى الاتفاق على رفع الحصار البحري عن إيران، والسماح لها ببيع نفطها بحرية واستعادة جزء من أموالها المحتجزة، مقابل التزامها بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، وتأجيل مناقشة التفاصيل المتعلقة ببرنامج إيران النووي، خصوصاً ما يتعلق منه بنسب التخصيب وطريقة التخلص من كمية اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، إلى جولة مفاوضات تالية لا تتجاوز 60 يوماً.
غير أنني أعتقد أن العامل الإسرائيلي كان العامل الأكثر حسماً في تفسير هذا التراجع، ليس بسبب ما تنطوي عليه مسودة مذكرة التفاهم من تنازلات فحسب، ولكن لأن نتنياهو ما زال يصر على إسقاط النظام الإيراني ويرى أنه الحل الوحيد الذي يحقق المصالح الأميركية والإسرائيلية كاملة، وهو حل ما زال ممكناً ولم يسقط نهائياً بعد. لذا، أرجح أن يكون نتنياهو قد تمكن من تعبئة قوى اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة لإقناع ترامب بخطورة التوقيع على هذه المذكرة.
ما إن تم الإعلان رسمياً عن رفض التوقيع على مذكرة التفاهم مع إيران، حتى قرر نتنياهو أن يلجأ إلى التصعيد العسكري على الجبهة اللبنانية، في محاولة من جانبه ليس لإسقاط هذه المذكرة فحسب، ولكن كخطوة متقدمة لتخريب المفاوضات الأميركية- الإيرانية من الأساس قد تساعد على الدفع في اتجاه العودة لاستئناف الحرب على إيران.
ويبدو أن نتنياهو رأى في تطور الأوضاع على الجبهة اللبنانية فرصة أخيرة لتحقيق اختراق قد يساعده على تحقيق نتائج طيبة في الانتخابات التشريعية القادمة، ما يفسر سعيه لاستغلال موافقة رئيس الدولة ورئيس الوزراء اللبنانيين على إجراء مفاوضات مباشرة مع "إسرائيل" لتحقيق تحالف سياسي وعسكري بين حكومتي البلدين لنزع سلاح حزب الله، وهو الجائزة الكبرى التي قد تضمن له الفوز في الانتخابات القادمة، غير أن الرياح سارت بما لا تشتهي سفن نتنياهو. فقد عجزت السلطة التنفيذية اللبنانية، بجناحيها الرئاسي والحكومي، عن إقناع الشارع اللبناني بسلامة موقفها، وثبت أن حزب الله أقوى بكثير مما يتصور أعداؤه وقادر على خوض معركة ملحمية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
وحين شعر نتنياهو بأن النزيف المتواصل لـ"جيشه" في جنوب لبنان يضعف كثيراً من موقفه في الداخل، بدلاً من تقويته، قرر شن هجوم واسع النطاق على ضاحية بيروت الجنوبية، متجاوزاً بذلك كل الخطوط الحمراء، وهنا كان على موازين القوى الحقيقية في المنطقة أن تتحرك بسرعة لإعادة تصحيح وضع مختل، وهو ما حدث بالفعل.
فقد أعلنت إيران على الفور أنها لن تقف مكتوفة الأيدي وستتدخل عسكرياً إذا ما أقدم نتنياهو على تنفيذ تهديده، وكان ذلك كافياً كي يسارع ترامب إلى إجراء مكالمة عاجلة مع نتنياهو، قيل إنه استخدم فيها ألفاظاً نابية. ولأن نتنياهو اضطر إلى التراجع على الفور، ما يقدم في حد ذاته دليلاً إضافياً على أن الولايات المتحدة وإيران تملكان قرار الحرب والسلم في المنطقة في اللحظة الراهنة، فقد اتضح أن مستقبل المنطقة بات مرهوناً بمصير المفاوضات التي تجري بينهما حالياً على وقع طبول الحرب.
لا توجد خيارات حقيقية أمام أي منهما. فترامب قاد الولايات المتحدة للانخراط في حرب غير مبررة وغير عادلة على إيران، جرّه إليها نتنياهو. ولأنه لم ينتصر فيها، فقد بات عليه أن يدفع الثمن حتى لو اضطر إلى التضحية بالمصالح الشخصية لصديقه اللدود نتنياهو، وبالتالي فليس أمامه من خيار آخر سوى مواصلة التفاوض، لأن اسئناف الحرب لم يعد خياراً عقلانياً، ومن ثم فقد بات عليه أن يقدم ما يكفي من تنازلات لتقليل خسائره المتوقعة قدر الإمكان.
أما إيران فليس أمامها من بديل آخر سوى الصمود حتى النهاية، خصوصاً وأن الحرب فرضت عليها وليس أمامها من خيار سوى الدفاع عن نفسها بكل الوسائل المتاحة. ولأن الانتخابات الإسرائيلية والأميركية باتت على الأبواب، يتوقع ألا يستغرق الحسم وقتاً طويلاً. فهل ترجح كفة الرشادة والعقلانية أم أن الجنون سيكون سيد الموقف؟