فوكوياما وكيدار رؤية فكرية أميركية إسرائيلية في كوابيس الفخ الإيراني

الساعة 08:37 ص|04 يونيو 2026

فلسطين اليوم | الكاتب محمد جرادات

يخبرنا تاريخ الفكر الغربي أنّ الفيلسوف والمؤرّخ الفرنسي ألكسيس توكفيل حذّر في منتصف القرن التاسع عشر من سقوط النظام الملكي في فرنسا، لأنه كان يرى ملامح أزمة بنيوية في العلاقة بين المجتمع والدولة، في الوقت الذي كان فيه معظم السياسيين الفرنسيين منشغلين بالتحالفات والمناورات اليومية، لذا سخر هؤلاء من تحذيراته ورأوا أنه يبالغ، لكن بعد أسابيع قليلة اندلعت ثورة 1848 الفرنسية وسقط النظام الملكي، وقد اتضح أنّ السياسيين كانوا يقيسون الأزمة بحجم خسائرهم المباشرة، بينما كان المفكّر ينظر إلى ما هو أعمق: طبيعة النظام نفسه ومدى قدرته على الاستمرار.

قبل أربعة عقود من الزمن أعلن المفكّر الأميركي فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ وانتصار الرجل الأبيض عبر رؤيته العنصرية في كتابه (نهاية التاريخ والرجل الأخير)، وأنّ النموذج الأميركي الشمولي على الصعد السياسية والفكرية والاقتصادية كافة، انتصر نهائياً على بقية النماذج، وأنّ الديمقراطية الليبرالية مع اقتصاد السوق هي المحطة الأخيرة للتطوّر السياسي للبشرية.

بعد فوكوياما ومنذ العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران في حزيران/يونيو من العام الماضي، أعلن غالبية أهل الفكر والخبرة في العلاقات الدولية من الأميركيين، وعبر استطلاعات واسعة للرأي، قلقهم الشديد من الحرب على إيران في مستويات قياسية، وقد برز في هذا الخصوص؛ إيرين إنترينجر وغارسيا بلانيس وسوزان بيترسون ورايان باورز ومايكل جي تيرني، وغيرهم كثيرون، لأنّ هذه الحرب ستضرّ بالمصالح الأميركية والأمن القومي الأميركي أكثر مما يمكن أن تخدمهما بأيّ حال.

وفي مستهلّ نيسان/أبريل من هذا العام، وفي الأسبوع الأخير من العدوان الراهن على إيران، تطوّر قلق أهل الفكر والخبرة في العلاقات الدولية الأميركية، إلى معارضة صريحة وهم يرون الحرب تترنّح أمام الصمود الإيراني العسكري، والتماسك الشعبي الداخلي خلف القيادة الجديدة في إيران.

قلق فكري وتحذير ثمّ معارضة نقلت المفكّر إلى الحلبة السياسية ليصرخ في وجه الحرب جهاراً نهاراً، ثم الإعلان الفكري الكامل أنّ أميركا سقطت في الفخّ الإيراني لهذا بدأت تستجدي الصين، والمفاجأة أن يأتي هذا الإعلان ليس من حديقة البيت الأبيض، ولكنه من صاحب نظرية انتصار الرجل الأبيض عبر النموذج الأميركي فوكوياما.

نشر فوكوياما مقطعاً مصوّراً من حديقة بيته ليطلق عاصفة في الفضاء العالمي، معلناً أنّ أميركا لم تعد قوة عظمى، وما حدث في بيجين لم يكن مجرّد لقاء سياسي، بل مشهد إهانة مدروس لرئيس الولايات المتحدة، عندما لم يستقبله شي جين بينغ في المطار، وجلس في القمة بطريقة جعلته يبدو أصغر وأضعف بصرياً، عاد هذا الرئيس بلا إنجازات حقيقية، فقط وعود اقتصادية ضبابية، بينما كان يوزّع المديح والتملّق على مضيفه كما لو كان يسعى إلى نيل رضاه، والإهانة لم تكن بروتوكولية فقط، بل سياسية ورمزية؛ رئيس القوة الأعظم ظهر كمن يطلب المساعدة لا كمن يفرض الشروط، وكمن يبحث عن مخرج من أزماته لا كمن يقود النظام الدولي.

ذهب ترامب إلى الصين، باستنتاج فوكوياما وهو يبحث عن مخرج من الفخّ الإيراني الذي صنعه بنفسه؛ حرب استنزفت الهيبة الأميركية، وهدّدت شريان الطاقة العالمي، وكشفت حدود القوة الأميركية في فرض إرادتها، وقد فهم شي جين بينغ ذلك جيداً، فهم أنّ رئيس أميركا يحتاج إلى مساعدة لاحتواء أزمة هرمز ليس في موقع القوة، بل في موقع الطالب، والمفارقة أنّ ترامب الذي قدّم نفسه دائماً كرجل قوة و"فن الصفقة"، وجد نفسه يتفاوض من موقع الضعف، بينما تمسك إيران بأوراق ضغطها، وتراقب الصين مشهد التراجع الأميركي بهدوء.

هكذا خلص الفكر الأميركي في تشخيص الواقع المستقبلي لأميركا وهي تترنّح في قعر الفخّ الإيراني، ولكن ماذا عن المشهد في الواقع الراهن للحليف التاريخي؛ "إسرائيل"؟

بدأت "إسرائيل" حربها الراهنة على إيران تحت القيادة الأميركية المباشرة، وقد ظهرت كمن قبض على الثور حتى ألجمه ميدان الانقضاض على الراية الحمراء، لهذا اصطفّ كامل طيفها خلف نتنياهو وترامب، لا فرق بين معارض وحاكم أو بين سياسي وعسكري ومفكّر ورجل اقتصاد، كلّهم سواء في الحرب على إيران خاصة في ظلّ الحليف الأميركي، وقد سبق لـ "إسرائيل" أن فشلت في حرب حزيران/يونيو الماضي وحدها حتى استدعى المشهد تدخّل القصف الأميركي المباشر في اليومين الأخيرين من ذلك العدوان.

تراجع ميزان الإجماع الشعبي الإسرائيلي خلف الحرب على إيران في الأسبوع الأخير من العدوان لتهبط استطلاعات الرأي الشعبية من 85% إلى 35% خاصة وسط القواعد الشعبية التي تفتقد للملاجئ المحصّنة، لكنّ حصانة الفكر اليميني ظلّت تسند ظهر نتنياهو، وهذا الفكر هو أكثر من يستشعر الخطر الإيراني باعتباره مشروعاً إسلامياً حضارياً ينزع الشرعيّة الكاملة عن الكيان الإسرائيلي.

 ولكن ثمّة كوابيس اجتاحت العقل المبرمج لهذا الفكر اليميني فأخرجته عن صمته ليطلق صرخاته الهستيرية عبر الفضاء الإعلامي المباشر، من دون أن يؤجّل ذلك لطرحه في المراكز البحثية الإسرائيلية العملاقة في جامعتَي القدس و"تل أبيب"، أو عبر منصة مؤتمر هرتسيليا السنوية المخصصة لعلماء الفكر من النخبة، في صيانة ميزان المناعة القومية الإسرائيلية.

ظهرت هذه الكوابيس الفكرية عبر رائد الفكر اليميني المعاصر مردخاي كيدار، خاصة أنّه ينتمي إلى التيار الذي يرى أنّ المشكلة ليست فقط في البرنامج النووي الإيراني، بل في بنية الدولة الإيرانية نفسها، وهو كحال غالبية المفكّرين والمستشرقين الإسرائيليين خرجوا من عباءة الاستخبارات، فهو ضابط سابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وباحث في الشؤون العربية والإسلامية، طرح خلال السنوات الأخيرة فكرة متكرّرة مفادها أنّ إيران ليست دولة متجانسة، بل تضمّ قوميات متعدّدة (فرس وأذريون وكرد وعرب وبلوش وغيرهم)، وأنّ الضغط على هذه التناقضات قد يكون أكثر فاعلية من الحرب التقليدية المباشرة.

 سبق لكيدار في مقال أثار جدلاً واسعاً عام 2024، أن دعا إلى تفكيك إيران إلى عدة كيانات قومية أو إثنية، معتبراً أنّ تغيير بنية الدولة الإيرانية هو الطريق الأنجع لإنهاء التهديد الذي تمثّله على "إسرائيل" والمنطقة، اللافت في كيدار أنه لا يركّز فقط على سؤال: "كيف ننتصر عسكرياً على إيران؟"، بل على سؤال آخر: "كيف نغيّر البيئة السياسية والاجتماعية التي تنتج هذا النظام؟".

ولهذا يُنظر إليه أحياناً باعتباره أقرب إلى المنظّرين الاستراتيجيين منه إلى المعلّقين العسكريين، وهو لم يكن في يوم من شريحة المفكّرين الذي استشعروا خطر الحرب منتقداً جموح السياسة، كحال يوفال هراري وعكيفا إلدار وألون بن دافيد وغيرهم، أو كحال غالبية المفكّرين الأميركيين، إنما هو المعبر الفكري المنهجي عن تيار يمين الوسط الذي يقود "إسرائيل"، وتنتمي إليه قيادة الليكود الحاكم كما معظم قيادات المعارضة، فما هي الكوابيس التي كتمت على أنفاسه مؤخّراً حتى أخرجته عن طوره؟ 

تناول المفكّر الإسرائيلي كيدار أهمّ المخاطر الاستراتيجية التي خلّفتها الحرب الراهنة ضدّ إيران، ورأى أنها أسوأ الكوابيس التي لا يمكن تخيّلها، وهي:

أولاً: المفاوضات الأميركية الإيرانية الراهنة، وما يمكن أن ينتج عنها من تفاهمات ستكون فيها "إسرائيل" الخاسر الأكبر.

ثانياً: التماسك الإيراني الداخلي الصلب والذي أفرزته الحرب على إيران، في مقابل الخلافات التي بدأت تظهر في الحلف الأميركي الإسرائيلي، وفي داخل كلّ طرف على حدة، في وقت نجح فيه حرس الثورة برأيه في صياغة الموقف السياسي من دون أدنى خلاف.

ثالثاً: الإرادة السياسية الإيرانية المدعومة بالقدرة، والتي جعلت الإيرانيين يضربون كلّ دول المنطقة من دون تردّد، حتى أنهم برأيه داسوا على القانون الدولي بلا أيّ حسابات، في مقابل المخاوف الأميركية الإسرائيلية التي لا تنتهي.

رابعاً: الاستعداد الإيراني الهائل لتحمّل الخسائر، في مقابل الخوف الإسرائيلي الأميركي من أية خسائر مهما كانت.

تتجاوز القراءة الفكرية الأميركية الإسرائيلية حسابات الحكومات السياسية أو مزايدات المعارضة أو عنتريات العسكر، وهي بإقرارها عبر أبرز عقولها عن هذه النتائج المذهلة لما أفرزته الحرب على إيران، تكون قد أدّت دورها في دفع مؤسسات الدولة ومراكز الحكم فيها للحيلولة دون مزيد من الكبرياء الشخصي على حساب مصالح الدولة ومستقبلها.