يظن كثيرون أن تخصيص نحو ساعة يوميًا لممارسة الرياضة يكفي لدرء مخاطر نمط الحياة الخامل على الصحة، لكن الدراسات الحديثة تشير إلى أن قضاء ساعات طويلة في الجلوس قد يحمل مخاطر صحية لا يمكن للرياضة وحدها أن تمحوها بالكامل؛ فقد كشفت دراسة نُشرت في أبريل/ نيسان 2026 في مجلة Nature Communications، أن زيادة عدد الخطوات اليومية قد تخفف بعض المخاطر الصحية المرتبطة بالجلوس لفترات طويلة، لكنها لا تقضي عليها بالكامل.
كانت النتائج لافتة بشكل خاص فيما يتعلق بأمراض القلب والأوعية الدموية الخطيرة، مثل مرض الشريان التاجي وفشل القلب، إذ أظهرت الدراسة أنه حتى المستويات المرتفعة من النشاط البدني قد لا تكون كافية لتعويض الأضرار المرتبطة بالجلوس لفترات طويلة والخمول المفرط.
ويرتبط هذا النمط من الحياة بعدد من التغيرات الفسيولوجية الضارة، من بينها مقاومة الإنسولين، وضعف وظائف الأوعية الدموية، وتراجع كفاءة القلب والعضلات، إضافة إلى زيادة الدهون الحشوية وارتفاع مستويات الالتهاب في الجسم.
عندما يقضي شخص ما ساعة في ممارسة أي نوع من الرياضة، ثم تتبعها فترات طويلة من الخمول البدني، فإن إجمالي نشاطه اليومي يظل منخفضًا بحسب دراسات عدة. فالجلوس أمام شاشة الكمبيوتر من ثماني إلى عشر ساعات، ثم الجلوس في وسائل النقل، يعقبه استرخاء طويل في المنزل أمام شاشات التلفاز أو الهاتف، كلها أنشطة تصنف ضمن نمط الحياة الخامل الذي يرتبط بعدة آثار سلبية على صحة الجسم.
إن الجلوس لفترات طويلة يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المزمنة والوفاة المبكرة، بغض النظر عن ممارسة الرياضة، مضيفًا أنه حتى رواد الصالات الرياضية المنتظمين بحاجة إلى الانتباه إلى مقدار الوقت الذي يقضونه جالسين خارج أوقات التمرين".
ممارسة الرياضة بلا شك من أهم السلوكيات الصحية على الإطلاق، ويظل خطر الإصابة بأمراض القلب والوفاة أقل لدى من يمارسون الرياضة مقارنةً بمن لا يمارسونها ويقضون يومهم في الجلوس. لذا، ينبغي الجمع بين ممارسة الرياضة والحركة المتكررة على مدار اليوم للحصول على نتائج أفضل.
ولا يخفى أن نمط الحياة الخامل بات أكثر شيوعًا في السنوات الأخيرة، لا سيما مع ازدياد نمط العمل عن بُعد والاعتماد على التكنولوجيا والشاشات بكثرة.
مع تزايد الأدلة العلمية، بدأ الخبراء بإعادة صياغة رسائل الصحة العامة. فبدلًا من التركيز فقط على التمارين الرياضية المنظمة، بات الاهتمام يتجه أيضًا إلى تقليل وقت الجلوس وتوزيع الحركة على مدار اليوم.
وهنا تبرز فكرة "فترات حركة بسيطة"، أو ما يعرف بالإنجليزية بـ (Movement snacks)، وهي فترات قصيرة من النشاط، تستغرق من دقيقة إلى ثلاث دقائق فقط كل ساعة على مدار اليوم.
المشي الخفيف لمدة دقيقة واحدة فقط كل ساعة يمكن أن يخفض ضغط الدم بمقدار خمس نقاط، وهو كافٍ لتحسين المزاج وتقليل الشعور بالتعب، لكن ربما لا يكون كافيًا لمن يحتاج إلى مراقبة مستويات السكر في الدم أو ضبطها.
من المهم هنا أن سرعة المشي التي نستخدمها في دراساتنا المخبرية بطيئة نسبيًا، حيث تبلغ 2.0 ميل في الساعة، وكأنك في نزهة، لذلك لا داعي للجري السريع أو صعود الدرج أو حتى المشي بسرعة. المهم هو أن أجسامنا تحتاج ببساطة إلى جرعات صغيرة من الحركة غير المرهقة موزعةً على مدار اليوم.
لذلك، قد لا يكون الحل في تخصيص ساعة واحدة للرياضة يوميًا بقدر ما يكمن في إعادة التفكير بطريقة تحركنا طوال اليوم. فالأدلة العلمية المتزايدة تشير إلى أن الجسم البشري لم يُصمم للبقاء ساكنًا لساعات طويلة، حتى لدى الأشخاص الذين يلتزمون بممارسة التمارين الرياضية بانتظام.
لكن يبدو أن الرسالة الجديدة التي يحاول الخبراء إيصالها الآن هي بسيطة ظاهريًا لكنها جوهرية، ألا وهي: دقيقة مشي أو الوقوف لبضع لحظات كل ساعة، تبدو خطوات صغيرة لكنها قد تُحدث فرقًا كبيرًا لصحة الإنسان على المدى الطويل.