مع بزوغ الفجر، يتوجه عشرات الأطفال يرافقُهن نساء، ليجمعوا البلاستيك والكرتون و"النايلون" من مكب النفايات قرب منطقة "جميل وادي"، غرب مدينة حمد، شمالي محافظة خانيونس، جنوب قطاع غزة لأغراض طهي الطعام وتسخين المياه، في ظل النقص الحاد والارتفاع القياسي على أسعار الغاز والوقود، وعدم المقدرة على شراء الأخشاب.
ينتظر أولئك الأشخاص، وصول الشاحنة المحملة بالنفايات، وتفريغها في المنطقة المخصصة لها، وعند الانتهاء من ذلك، يهرعون صوبها، حاملين بأيديهم العاريتين من "أي وسيلة حماية من الأمراض" أكياس فارغة لمحاولة ملئها ببقايا النفايات من "بلاستيك- نايلون- وكرتون".
ويضطر النازحون لاستخدام بقايا النفايات والبلاستيك والكرتون لأغراض الطبخ لانقطاع الغاز وشحه في أحسن الأحوال، في مشهد يكشف حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها القطاع المحاصر منذ أكثر من عامين ونصف، ما يعرضهم للإصابة بأمراض عدة وخطيرة.
رصد مراسل "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية" تلك الحالات على مدار أشهر طويلة في مشهد يعكس حجم الكارثة التي وصل إليها أهالي قطاع غزة بسبب الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ السابع من أكتوبر 2023، إذ أصّر على مقابلة بعضهم، فيما رفض الكثيرون الحديث عن ذلك.
تُؤكد إحدى السيدات التي تجاوزت الـ (55 عاماً)، أنها تضطر للذهاب إلى مكب النفايات بشكل شبه يومي لجمع البلاستيك والكرتون التالف الذي تفرغه الشاحنات، لتتمكن من طهي الطعام، وتسخين المياه لأفراد أسرتها، في ظل عدم مقدرتهم على شراء الغاز (110 شواكل) للكيلو، وحتى الأخشاب الذي يتجاوز سعر الكيلو منه 10 شواكل.
وتشير تلك السيدة التي فضَلت عدم الكشف عن هويتها، وهي نازحة من شمال قطاع غزة، إلى أنها لم تتخيل أبداً أن يصل بها الأمر إلى جميع البلاستيك والكرتون من مكبات النفايات لأجل الطبخ ومستلزمات الطعام، مؤكدة أن ضيق الحال من أولها إلى هذه المرحلة.
ومن بين نحو 10 أطفال رفضوا الحديث لمراسل "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية"، وبعد إلحاح وافق أحدهم على الحديث عن اضطراره لجمع البلاستيك والكرتون، موضحاً أنه يساعد والديه في جمع أكبر قدر من الوقود البديل، بسبب تعطل والده عن العمل وعدم قدرته على شراء الغاز والأخشاب.
يقول: "أستيقظ عند الساعة الخامسة صباحاً، وأتوجه إلى المكتب عند السادسة، لأجمع البلاستيك والكرتون، في ظل عدم قدرتنا على شراء الغاز لطهي العام"، لافتاً إلى أن الأمر صعب ويستغرق ساعات من البحث، وأحياناً يتعرض إلى جروح من الزجاج والأغطية الحديدية الحادة لمعلبات المساعدات.
وفي تصريح سابق لوسيلة إعلام أجنبية، اعتبر رئيس المعهد الوطني للبيئة والتنمية في غزة الدكتور أحمد حِلِس أن مهنة النبش بين النفايات مشكلة كبيرة ومعقدة في كل الدول النامية، وتتداخل فيها عدة مشاكل، "في ظل أن العامل فيها يتعامل مع كل أنواع النفايات، منها الصلبة والسَامة والكيميائية والفيزيائية وتَحمل ميكروبات وجراثيم وعناصر ثقيلة".
وأضاف الدكتور حِلِس أن العاملين فيها يعتبرون غيرُ مؤهلين على التعامل مع هذه النفايات، ومنهم الأطفال، وهو "انتهاك صارخ في حقوقهم".
وأشار إلى أن العاملين في هذه المهنة يمكن أن ينقلوا أمراضاً كثيرة لمحِيطهم المنزلي، فهم يعملون في أي مكان تواجد النفايات بالطرق والشوارع والقرى والمدن. النبش ينشر القمامة أكثر ويشجع على انتشار القوارض والقطط والكلاب التي نعاني منها حالياً في غزة وهي ناقلة للأمراض والأوبئة.


