لم يعدْ ليل غزة هادئاً، فالمأساة باتت تتكرر كل ليلة تقريباً، لحظات بسيطة لكنها فارقة تُغير حياة السكان وتقلبها، فاتصال واحد يصل لأحد سكان المنطقة من مخابرات الاحتلال الإسرائيلي يُطالبه بالإخلاء ليس لمنزل واحد فقط بل مربع بأكمله كفيل أن يُبدد لحظات الهدوء والسكون إلى الصخب والصراخ ومحاولات النجاة بالنفس، أما المتاع فلا يسعفهم الوقت له.
فمنذ مايقارب العشرة أيام، وفي ساعات الليل الحالكة، تغيرت حياة السكان وخاصةً في المحافظة الوسطى، بشكل مُفاجئ مع استمرار الإنذارات الإسرائيلية التي تحذر من قصف وشيك على مربعات سكنية بأكملها، الأمر الذي يُجبر السكان على الهروب السريع، تاركين خلفهم منازلهم وممتلكاتهم، في محاولة للحفاظ على أرواحهم وسط حالة من الخوف والارتباك.
ومع تكرار أوامر الإخلاء واتساع رقعة النزوح، بات الليل في غزة مرادفاً للخوف والترقب؛ فلا أحد ينام مطمئناً، ولا أحد يعرف إن كان الفجر سيأتي وهو ما يزال في منزله أم على قارعة الطريق، فالسكان هنا لا يحملون حقائب سفر، بل يحملون ما تبقى من أعمارهم، ويهربون تحت جنح الظلام بحثاً عن نجاة مؤقتة في مدينة لم يعد فيها مكان آمن.
تبدأ الحكاية، مع اتصال هاتفي من مخابرات الاحتلال لأحد المواطنين يقطع سكون الليل، فيسرع لكي يتمكن من إبلاغ سكان المنطقة، ليعلو أصوات الأطفال والنساء وهم يحاولون جمع ما يمكن حمله بسرعة، وتتحول الشوارع لممرات للهروب، ويهرول الجميع في حالة من الذعر، بعضهم يحمل أطفالهم، وآخرون يجرون وراءهم حقائبهم الصغيرة التي بالكاد استطاعوا جمعها.
ولا تخلو هذه اللحظات من مشاهد مؤثرة حيث ينفصل بعض الأطفال عن ذويهم في غمره الهروب، فيما يرتفع صوت الأمهات التي تحاول تهدئة أطفالها، فيما تبكي أخريات منازلها وممتلكاتها التي تبقت من قصف سابق، لكنه يحميهم من حر الصيف وبرد الشتاء.
يقول المواطن أحمد جاد الله من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، الذي اضطر لإجلاء عائلته بعد إنذار في المنطقة:" كانت لحظات صعبة وخبر نزل علينا كالصاعقة، فما كنا نظن أنه يحمينا بعد أن رممناه نظراً لتعرضه للقصف خلال الحرب سيقصف وتنقلب حياتنا مرة أخرى رأساً على عقب".
يضيف حاد الله:" لم تنته الحرب بل بدأت بشراسة وبدأ الاحتلال في القصف والتدمير لمربعات بأكملها وليس منزل واحد، نحن نحتاج لمعجزة للجم الاحتلال ووقف الانتهاكات بحق شعبنا".
المواطنة أم أحمد سعد، لم يسعفها الوقت عند سماعها لإنذار الإخلاء من الجيران سوى لإيقاظ أطفالها وحمل حقيبة صغيرة جمعت فيها بعض الأوراق الرسمية، وغطاءً خفيفاً، ثم خرجت لتركض مهرولة والخوف والدموع يرافقها وأطفالها.
تقول سعد:" لم أعرف ماذا أفعل فزوجي لم يكن في البيت، واضطررت أن أهرب بأطفالي، فلم يكن لدى متسع من الوقت، سوى للهرب فقط، وأنا أودع بقايا المنزل الذي كنت أعيش فيه، ولم أكن حينها أعرف أين سأتجه خاصةً أن عائلتي وعائلة زوجي تسكن في مدينة أخرى."
ويبدو المشهد أصعب من أن يتم الحديث عنه، ففي الشوارع المكتظة بالسكان والتي تحمل هماً تجد رجالاً يحملون أطفالاً نائمين، ونساء يجررن حقائب صغيرة، ومسنون يتكئون على العصي بصعوبة، بينما يُلاحقهم الخوف من أن يكون القصف أسرع من خطواتهم.
وتحولت حياة الغزيين لدوامة من الأزمات اليومية المعيشية نتيجة تداعيات الحرب الإسرائيلية المدمرة والذي يكمل دائرة الحرب بالقصف المتواصل على القطاع وإخلاء المربعات السكنية من سكانها وتشريدهم .
د. إسماعيل الثوابتة مدير المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، أكد أن جيش الاحتلال "الإسرائيلي" يواصل استهداف منازل المدنيين في قطاع غزة عبر عدوان سافر وغارات وقصف متكرر.
واعتبر ذلك، تصعيد خطير يفاقم الكارثة الإنسانية ويوقع مزيداً من الضحايا بين السكان المدنيين الآمنين ومنازلهم وممتلكاتهم، في ظل أوضاع معيشية وإنسانية بالغة الصعوبة يعيشها أبناء شعبنا الفلسطيني.
وشدد الثوابتة على أن استمرار قصف الأحياء السكنية والمنازل المأهولة يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، ويزيد من معاناة المدنيين الذين يواجهون ظروفاً قاسية بفعل الحرب والحصار المستمر.
ويرى محللون سياسيون وخبراء في الشأن الإنساني أن أوامر الإخلاء المتكررة التي تصدرها القوات الإسرائيلية في قطاع غزة، بالتزامن مع تكثيف استهداف المربعات السكنية في مناطق وسط القطاع، مثل النصيرات والبريج والمغازي، لم تعد تُقرأ باعتبارها إجراءات عسكرية مؤقتة مرتبطة بسير العمليات الميدانية فقط، بل باتت تُفسَّر ضمن سياسة أوسع تقوم على إعادة تشكيل الواقع السكاني والجغرافي للقطاع.
وبحسب هؤلاء المحللين، فإن تكرار عمليات النزوح القسري من منطقة إلى أخرى، ودفع مئات آلاف المدنيين إلى التحرك المستمر تحت ضغط القصف وأوامر الإخلاء، يخلق حالة من "اللااستقرار الدائم"، حيث يصبح السكان عاجزين عن إعادة تنظيم حياتهم أو إيجاد أي مساحة آمنة ومستقرة للإقامة.
ويشير محللون إلى أن استهداف المناطق المكتظة ومراكز الإيواء والبنية السكنية في وسط القطاع تحديداً يحمل دلالات تتجاوز البعد العسكري، إذ يُنظر إليه كجزء من استراتيجية تهدف إلى تفريغ مناطق واسعة من سكانها، وإبقاء الكتلة البشرية في حالة إنهاك وتشتيت مستمر، بما يعرقل أي إمكانية لإدارة حياة مدنية طبيعية أو إنشاء بيئة مستقرة تسمح باستمرار الخدمات الأساسية.
كما يرى مراقبون أن هذا الواقع ينعكس مباشرة على عمل المؤسسات الإنسانية والإغاثية، إذ تؤدي حركة النزوح المتكررة إلى صعوبة إيصال المساعدات، وتعطيل عمل المستشفيات والمراكز الطبية، وزيادة الضغط على المناطق التي يلجأ إليها النازحون، في ظل تدهور حاد في البنية التحتية ونقص الغذاء والمياه والخدمات.
ويحذر مختصون في القانون الدولي الإنساني من أن التهجير القسري واسع النطاق، إذا تم بشكل ممنهج ودون توفير ضمانات حقيقية لحماية المدنيين وعودتهم، قد يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية كبيرة تتعلق بمدى التزام قواعد حماية السكان المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.
وتظل لحظات الإخلاء تحت الإنذارات الإسرائيلية في الليل شاهدة على معاناة سكان غزة الذين يعيشون حالة دائمة من الخوف وعدم الاستقرار وأن حياة الناس غير آمنة في ظل خروقات الاحتلال الدائمة لاتفاق وقف النار الذي بات بحاجة لتدخل عاجل من الوسطاء.