في الوقت الذي يتجه فيه ملايين المسلمين حول العالم إلى الدعاء والتكبير في يوم عرفة، تعيش غزة يومًا مختلفًا تغيب فيه مظاهر الطمأنينة والفرح، لتحضر بدلًا منها أصوات القصف وصفارات الإسعاف وتكبيرات الصلاة على الشهداء، في مشهد يلخص حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها سكان القطاع منذ شهور طويلة.
ففي هذا اليوم المبارك، الذي اعتاد الغزيون استقباله بالابتهالات والتجهيزات لعيد الأضحى، بدت الشوارع أكثر حزنًا من أي وقت مضى، بينما تتواصل الجنائز في مختلف المناطق، وتخرج العائلات مودعة أبناءها الذين سقطوا جراء القصف "الإسرائيلي" المتواصل، وسط حالة من الألم الجماعي التي تخيم على القطاع بأكمله.
ومنذ ساعات الصباح، تعالت التكبيرات في غزة، لكنها هذه المرة امتزجت بصلاة الجنازة على الشهداء، لا بإعلان فرحة العيد أو الاستعداد لاستقباله، إذ تحوّلت ساحات المستشفيات والمساجد إلى محطات وداع يومية لعشرات الضحايا.
وتزامنًا مع صعود الحجاج إلى صعيد عرفات لأداء الركن الأعظم من الحج، اصطفت العائلات في ساحة مجمع ناصر الطبي بمدينة خانيونس، لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على أبنائها وذويها الذين ارتقوا جراء القصف الإسرائيلي على خيمة تؤوي نازحين بمخيم "غيث" غرب المدينة، تعالت تكبيرات الصلاة على الشهداء بدلًا من تكبيرات الفرح بالعيد، في مشاهد تختلط فيها الدموع بالدعاء وملامح الوجوه المرهقة من شدة الفقد والخوف.
وبينما كان المصلون يقفون أمام جثامين الشهداء يتأملون وجوههم للمرة الأخيرة، ولسان حالهم يقول إن يوم عرفة الذي اعتادوا أن يكون يومًا للسكينة والرحمة والدعاء، تحول في غزة إلى يوم للبكاء على الأحبة وتفقد المفقودين وانتظار أخبار الناجين من تحت الركام، في ظل استمرار الغارات واستهداف المنازل ومراكز الإيواء في مختلف مناطق القطاع.
ومنذ وقف إطلاق النار (11 أكتوبر)، بلغ إجمالي عدد الشهداء: 904 ، فيما بلغ إجمالي عدد الإصابات: 2,713، نتيجة الخروقات "الإسرائيلية" المتواصلة على قطاع غزة منذ دخول الاتفاق وقف اطلاق النار حيز التنفيذ برعاية أمريكية وقطرية ومصرية.

فغزة، الحاضرة بجنائز الشهداء، غاب فيها للعام الثالث على التوالي، مظاهر التحضير لعيد الأضحى في معظم مناطق القطاع، فلا أسواق مكتظة، ولا أطفال يشترون الملابس الجديدة، ولا أصوات الباعة التي كانت تملأ الشوارع قبيل العيد، بعدما أثقلت الحرب كاهل السكان وحوّلت أولوياتهم إلى البحث عن الغذاء والماء ومكان آمن للنوم.
كما اختفت شعيرة الأضاحي من حياة آلاف العائلات التي لم تعد قادرة على توفير الحد الأدنى من احتياجاتها اليومية، في ظل الحصار والدمار الواسع وتدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية.
وبالإضافة لذلك يعيش النازحون داخل الخيام ومراكز الإيواء أوضاعًا قاسية بالتزامن مع يوم عرفة، حيث تفتقر تلك المراكز إلى مقومات الحياة الأساسية، فيما يحاول الأهالي التخفيف عن أطفالهم رغم مشاهد الموت والدمار التي تحيط بهم من كل جانب.
ويؤكد السكان في غزة أن أكثر ما يؤلمهم هذا العام هو غياب من كانوا يشاركونهم مواسم العبادة والأعياد، بعدما فقدت عائلات بأكملها أبناءها وآباءها وأمهاتها خلال الحرب، لتتحول زيارات العيد المرتقبة إلى زيارات للمقابر والدعاء للشهداء.
ورغم الحزن الكبير، لا يزال الغزيون يتمسكون بالشعائر الدينية، حيث يحرص كثيرون على صيام يوم عرفة وقراءة القرآن ورفع الدعاء، كلٌّ بحسب مكانه وظروفه؛ فمنهم من يتعبد داخل خيمة نزوحه، وآخرون بين ركام منازلهم المدمرة أو في أروقة المستشفيات ومراكز الإيواء، في مشهد يجسد تمسك الفلسطينيين بالإيمان والصبر رغم القصف والمعاناة المستمرة.

ومع استمرار الحرب، يبقى أهالي غزة عالقين بين الألم والأمل، ينتظرون أن يأتي يوم تعود فيه تكبيرات العيد كما كانت، خالية من أصوات القصف والوداع، ويستعيد فيه الأطفال حقهم في الفرح والحياة الآمنة.
يشار إلى أن الإحصائية التراكمية لعدد الشهداء في غزة منذ بداية العدوان في 7 أكتوبر 2023، بلغت للشهداء: 72,797، والعدد التراكمي للإصابات: 172,821، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية