في غزة: عالقون بين السماء والأرض

الساعة 12:40 م|21 مايو 2026

فلسطين اليوم

في زاوية من ساحة مستشفى شهداء الأقصى بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، وقفت المواطنة المصرية "السيدة أبو زيد الرفاعي محرم"، تبكي حالها، تنهمر الدموع من عينيها فور الحديث معها، تنظر بعينيها لكل من يحمل لها خبراً يفرح قلبها، أو أملاً في حلٍ قد ينقذها من براثن الحصار الذي يخنقها في قطاع غزة.

لا تأمل محرم كثيراً، كل أمنياتها تتعلق في أن يدرج اسمها ضمن كشوفات السفر عبر معبر رفح البري، فبعد أن عادت لقطاع غزة في شهر أغسطس 2023 من مصر، لم تعرف بعدها العودة إليها.

ومنذ 3 أعوام، لم تعد المصرية محرم تعرف إن كانت لا تزال "زائرة" في غزة أم أصبحت عالقة فيها إلى أجل غير معلوم، بين سماء تتلقى دعواتها يومياً وأرضٍ تعبت من سماع دموعها كل ليلة.

وتشير التقديرات غير الرسمية إلى وجود نحو 20 ألف مواطن من حاملي الجنسية المصرية، سواء بجوازات سفر مصرية خالصة أو ازدواج الجنسية، متواجدين داخل قطاع غزة علقوا فيها خلال الحرب.

حاملو الجنسية ومزدوجو الجنسية نظموا فعالية للمطالبة بسرعة سفرهم للخارج، بعد أن علقوا في قطاع غزة حيث كان جزء كبير منهم في زيارات قصيرة وقت بدء الحرب، أو اضطروا للنزول للقطاع للزواج، فحوصروا فيها وسط الحرب، بين القصف المتواصل وتعقيدات السفر المحدود عبر معبر رفح.

تبكي محرم بحرقة شديدة، فهي تشتاق لابنها وبنتها مُهاب ورحاب المصريين الذين يعيشون في مصر من زوج سابق، قبل أن تتزوج بآخر من قطاع غزة وتعيش معه وتنجب ولد وبنت يحملون الجنسية المصرية.

تقول محرم في حديث لـ"وكالة فلسطين اليوم الإخبارية":" ابني تزوج في مصر ولكني حرمت من حضور زواجه وولادة حفيدي بسبب الحرب اللعينة على غزة، وأشتاق لرؤيتهم والاطمئنان عليهم، حيث هم في حالة قلق دائم علينا".

تضيف: حياتنا باتت كالجحيم نزحنا وتشردنا عشرات المرات، ونعيش في خيمة على شاطئ البحر، فيها القوارض والبعوض والذباب، لا نتحملها صيفاً وشتاءً.

ولا تملك المواطنة المصرية محرم، مالاً يكفي للدفع من أجل السفر كبقية من يدفع لكي يسافر، ولم بتنعم بفرصة السفر في بداية الحرب، حيث كان زوجها لا يتوقع أن تتطور الأحداث في القطاع، فرفض فكرة السفر حينها.

وتطالب الرئاسة المصرية تحديداً للعمل على سفر كافة حاملي الجنسية المصرية لإنقاذهم من الموت والحياة الصعبة التي يعيشونها في القطاع وسط القصف والنزوح والتدمير وصعوبة الحياة اليومية.

ورغم إعادة فتح معبر رفح البري جزئياً خلال الأشهر الماضية، إلا أن الحركة عليه ما تزال تتم وفق قوائم محدودة وإجراءات معقدة، تشمل المرضى والجرحى وبعض العائدين فقط، لتتحول حياة الكثير من حاملي الجنسية والمصريين، لحالة ترقب يومية، فتتحول أي إشاعة عن فتح المعبر إلى موجة اتصالات ورسائل واستفسارات.

ولا تختلف تفاصيل قصص المعاناة التي يعيشها أبناء الجالية المصرية وأسرهم في قطاع غزة، وسط حرب الإبادة، منذ قرابة الـ3 أعوام، سواء كانوا من حاملي بطاقات الرقم القومي وشهادات الميلاد المصرية أو من الفلسطينيين الذين اكتسبوا الجنسية خلال السنوات الماضية، نتيجة علاقات القرابة والزواج، وكذلك زوجات وأبناء المصريين الذين لم ينجحوا في اكتساب الجنسية المصرية، خلال فترة إقامتهم بمصر.

فهم جميعاً يشتركون في محاولة النجاة بأرواحهم وسط القصف الجوي المتواصل والإجبار على النزوح المتكرر والعيش في خيام للنازحين أو في مباني تعرضت للتدمير الجزئي، إضافة إلى الشُح الشديد للمواد الغذائية ومياه الشرب النظيفة والأدوية، ويحلمون جميعًا بالعودة إلى مصر في وقتٍ عاجل، مناشدين الرئيس المصري والحكومة المصرية بالتدخل لإجلائهم من القطاع وإنقاذ حياتهم.

المواطن الستيني إبراهيم الهجين يحمل الجنسية المصرية، وكان يتنقل بين القاهرة وغزة، إلا أن الحرب جعلته عالقاً في غزة، حيث يملك مصنعاً تدمر خلال الحرب، ولكن لديه بضائع معلقة في مصر.

ويطالب الهجين في حديث لـ"وكالة فلسطين اليوم الإخبارية"، بضرورة سفره للقاهرة للحصول على البضائع المجمدة، ومحاولة إدخالها للقطاع، وكذلك لسفر زوجته المريضة وتقديم العلاج المناسب لها في الخارج.

ولم تعد المشكلة فقط في الرغبة في السفر، إلا أن أزمات العالقين حيث يواجه أصحاب الجنسيات المزدوجة تحديات إضافية، أبرزها فقدان الوثائق الرسمية أو انتهاء صلاحياتها بسبب الحرب والنزوح، فضلاً عن غياب المعلومات الواضحة حول آليات التسجيل وأولويات السفر، خاصة بعد التغييرات التي طرأت على إدارة المعبر خلال الفترة الأخيرة.

وعلى الرغم من الصراع الذي يدور في أذهان العالقين، فإن استمرار خروقات الاحتلال وتقييد حركة السفر، يبقى آلاف العالقين داخل غزة أسرى للانتظار، ولأي مؤسسة يدقون أبوابها علَها تمدهم بأمل تُفتح فيه البوابة أخيراً.