في زوايا مراكز النزوح المتهالكة، وتحت ظلال الخيام التي لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء في قطاع غزة، تعيش آلاف النساء فصلاً مأساوياً من فصول حرب الإبادة المستمرة منذ أكثر من عامين.. إنها حكاية "زوجات المفقودين"، اللاتي وجدن أنفسهن فجأة في منطقة رمادية قاتلة، فلا هن زوجات يتمتعن بوجود أزواجهن وسندهن، ولا هن أرامل يستطعن إعلان الحداد، وبدء مرحلة الاستشفاء من صدمة الموت.
تتعدد الأسباب والوجع واحد؛ فمنذ اندلاع الحرب، غيبت أهوال القصف والتوغلات البرية آلاف الرجال. بعضهم خرج للبحث عن قوت يومه أو جلب الماء لعائلته ولم يعد، وآخرون انقطعت أخبارهم بعد اجتياح آليات الاحتلال للأحياء السكنية، بينما بقي المئات تحت ركام المنازل المستهدفة التي عجزت طواقم الدفاع المدني عن الوصول إليها نتيجة انعدام الإمكانيات واستهداف الطواقم الطبية.
أم مصعب (32 عاماً)، نازحة من شمال غزة ومقيمة في خيمة بدير البلح، أم لا 4 من البنات، وابن طفل ولد بعد اختفاء والده تقول:
"خرج زوجي منذ سبعة أشهر ليحضر طحيناً لأطفالنا الأربعة بعد أن لوى الجوع بطون الأطفال. تضاربت الأنباء؛ بعض العائدين قالوا إن الاحتلال اعتقله عند حاجز صلاح الدين، وآخرون قالوا إنه أُصيب بقذيفة مدفعية. أنا اليوم لا أعرف إن كنت زوجة أسير أم أرملة شهيد.
واضافت ل "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية" :"أطفالي يسألونني كل ليلة: (وين بابا؟) ولا أملك إجابة. الانتظار يقتلني في اليوم ألف مرة، وأرفض أن أقيم له عزاءً لأن قلبي يخبرني أنه سيعود".
هذا الغياب المفاجئ يترك الزوجة في حالة من التيه النفسي، والحيرة والتفكير المستمر عن مصير الزوج.
الاخصائي الاجتماعي أحمد النجار يقول:"إن الصدمة النفسية التي تعيشها زوجة المفقود تفوق في تعقيداتها صدمة الموت المعلن.
وأضاف لمراسلة وكالة فلسطين اليوم الإخبارية: " في حالة الوفاة، يمر العقل البشري بمراحل الحزن الخمس حتى يصل إلى القبول والتعايش، أما في الفقدان الغامض، يظل العقل في حالة استنفار دائم وطاقة أمل معلقة تحترق معها الأعصاب، مما يسبب حالات حادة من الاكتئاب، القلق المزمن، واضطرابات ما بعد الصدمة التي تنعكس سلباً على تعامل الزوجة مع أطفالها".
ولم تتوقف معاناة زوجات المفقودين عند الاضطرابات النفسية التي تنتابها، بل إن عبء المعيشة وغياب المعيل والغطاء القانوني، وصولاً إلى الواقع المعيشي والاقتصادي والقانوني المعقد أيضا، في قطاع انعدمت فيه مقومات الحياة الأساسية، لتجد زوجة المفقود نفسها فجأة أمام مسؤولية تأمين لقمة العيش لتربية أطفالها بلا أي دخل.
وتتضاعف المعاناة بسبب القيود القانونية على زوجة المفقود، ففي غياب شهادة وفاة رسمية يصعب على الزوجة الحصول على المساعدات المخصصة لأسر الشهداء.
من جهته أوضح الحقوقي والمتخصص في القانون الشرعي، برجس أبو مدين أن موضوع الزوجات المعلقات بسبب فقد أزواجهن من أكثر الإشكاليات الانسانية والقانونية في هذا الوقت،مشيرا إلى أن المفقود من الناحية الشرعية والقانونية يعتبر حي إلى حين صدور حكم قضائي يثبت الوفاة، وبالتالي فإن الزوجة تبقى على ذمته الشرعية، ولا يمكن اعتبارها أرملة ولا يجوز لها الزواج وتبقى الكثير من حقوقها معلقة إلى حين حسم مصير الزوج.
وأوضح أبو مدين في حديث ل "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية" أن القانون الفلسطيني والشرع راعى هذا الامر، من الناحية الزمنية الخاصة بمدة فقدان الزوج، حيث إن كان فقد في ظروف طبيعية فينظر في إثبات وفاته بعد 4 سنوات، أما في حالة الحروب والكوارث، فقد أعطي المشرع صلاحية النظر في هذا الأمر فيما يحقق الحفاظ على رابطة الزواج، ودفع الضرر عن الزوجة والأطفال فيما بعد.
وأكد أنه في واقع غزة، فقد غلب واقع الهلاك على زوجة المفقود ويتم في هذه الحالة انقاص المدة من 4 سنوات إلى سنة واحدة.
واضاف: "لقد أعطى القانون بعض للمبادئ للزوجة المعلقة لغياب الزوج، برفع دعوة إثبات فقدان، حيث بإمكانها تقديم طلب تعيين وكيل لإدارة اموال المفقود، والمطالبة بنفقة للأبناء والزوجة إن كان هناك رصيد مالي، إلى حين صدور قرار بثبات الوفاة، كما أنه يمكن اخراج حجج شرعية مؤقتة كحجة الحضانة وحجة الاعالة".
ونصح القانوني أبو مدين الزوجات المعلقات بعدم الاكتفاء بالمراجعات الشفوية، بل عليها أن تبادر وتثبت الحالة بشكل رسمي أمام المحاكم قضائيا حتى ولو لم يكن لديها مستند رسمي، مستعينة بالشهود أو تقارير معينة أو أي قرائن مرتبطة بوقائع الفقد.
ويرى ابو مدين أنه يجب أن تكون هناك مرونة قضائية وتشريعية في هذه الحالات، لأن عدد المفقودين كبير ويغلب عليه حالة الهلاك.
كما دعا لسرعة الفصل في الطلبات المقدمة وتخفيض الرسوم، كما أنه بالإمكان اصدار حجج مؤقتة معتمدة لدى المؤسسات المختلفة للتسهيل على المعلقات، لأن زوجة المفقود تعيش حالة من انعدام الأمن والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
إن مأساة زوجات المفقودين في غزة هي صرخة صامتة في وجه ضمير العالم، بل إنها تجسيد حي لكيفية تحول الحروب إلى أدوات لتفكيك النسيج الاجتماعي والأسري، وترك ندوب غائرة في نفوس النساء والأطفال قد لا تبرأ لسنوات طويلة حتى بعد أن تخمد المدافع.