حوّلت درجات الحرارة المرتفعة خيمة المواطن مهران عرفات المصنوعة من النايلون والشوادر البلاستيكية إلى فرن ملتهب، ما جعل "العرق" يتصبب من جبينه كقطرات ماء، هذا الأمر دفعه للتوجه إلى أقرب نقطة لبيع المياه والعصائر والآيس كريم المثلج، لمحاولة التبريد على جسده وأطفاله والتخفيف من حدة الحر الشديد.
شراء المثلجات وتبريد وتثليج المياه بشكل يومي، تُفرغ جيوب المواطن عرفات المتعطل عن العمل منذ 3 سنوات؛ لأنه ينفق يومياً نحو 10 شواكل للتبريد على أجساد أفراد أسرته، وحمايتها من لهيب أشعة الشمس.
فكلفة الصيف في قطاع غزة لم تعدْ مرتبطة بالطقس فقط، بل بقدرة الأسر على تحمّل نفقات يومية إضافية فرضتها الحرب الإسرائيلية في أكتوبر 2023، من المياه والثلج إلى وسائل التبريد وحفظ الطعام، في ظل تراجع القدرة الشرائية واتساع رقعة الفقر.
يوضح عرفات أن الأجواء الحارّة، لاسيما داخل الخيمة، تدفع أطفاله للبكاء من شدة الحرارة، حتى عند الخروج من الخيمة، يجد الأمر ذاته، في ظل انعدام وجود المباني أو الأشجار في المنطقة التي يقطنها للتظليل بها، ما يدفعه إلى استخدام البدائل للتبريد على جسد أطفاله.
ويقول: "بت أتوجه إلى محال وبسطات بيع المثلجات، لأجلب لأطفالي مياه، أو عصائر مثلجة، أو آيس كريم، لكن بسبب أنها مبردة يزيد سعرها عن الطبيعي 1 شيكل لكل سلعة".
بدائل مُكلفة
وينوه إلى أنه يحتاج لأكثر من 10 شواكل فقط لشراء المثلجات، وهو فوق قدرته الشرائية لتعطله عن العمل، في ظل احتياجات أخرى من طعام وملابس تحتاجها أسرته.
أما المواطن رائد أمين، بات يتوجه يومياً إلى شراء الثلج، ووضعه في إناء به ماء للشرب حتى يحتفظ ببرودته في ظل الأجواء الحارة التي تعصف بقطاع غزة، لاسيما من يقطنون بالخيام.
يضيف الشاب أمين: "كل يوم أحجز قالب من الثلج، سعره نحو 12 شيكلاً، وأضعه في إناء رفقة مياه الشرب للتخفيف من حدة درجات الحرارة الملتهبة".
يشير إلى أنه الأسعار مرتفعة جداً مقارنة بما قبل الحرب على القطاع، في وقت تنعدم في فرص العمل بسبب تدمير إسرائيل جميع المنشآت الاقتصادية والصناعية.
هذه الضغوط اليومية تنعكس بوضوح في المؤشرات الاقتصادية، فبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، شهد قطاع غزة خلال عام 2025 ارتفاعًا حادًا في تكاليف المعيشة، إذ سجلت مجموعة السكن والمياه والكهرباء زيادات كبيرة، فيما ارتفعت أسعار المياه المعدنية والمحلاة بنحو 87%، بالتزامن مع تزايد الطلب على المياه خلال فصل الصيف.
كما ارتفع مؤشر غلاء المعيشة العام بنسبة 21.93% مقارنة بالعام السابق، في مؤشر يعكس تآكل القدرة الشرائية للأسر بوتيرة متسارعة بعد عامين من الحرب.
فقر مدقع
من جهته، يرى المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر، أن الاقتصاد في غزة دخل مرحلة أكثر هشاشة وتعقيدًا مقارنة بما كان عليه قبل الحرب.
وأوضح أب قمر، أن معدلات البطالة، التي كانت تقارب 45% قبل الحرب، ارتفعت إلى نحو 80% خلال فترة الحرب، بالتزامن مع تراجع حاد في مستويات الدخل وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وهو ما انعكس مباشرة على قدرة الأسر على التعامل مع متطلبات الصيف للعام الثالث على التوالي. فاحتياجات كانت تُعدّ بسيطة، مثل شراء المياه أو الثلج أو تشغيل وسائل التبريد، باتت تمثل عبئًا يوميًا على عائلات تعيش تحت وطأة الفقر والحرمان وتآكل القدرة الشرائية.
ويشير أبو قمر إلى أن نحو 95% من العائلات باتت تعتمد على المساعدات الإنسانية، وفق تقديرات متداولة، وهو ما يعكس هشاشة القدرة الشرائية وعدم قدرة الأسر على مواجهة أي صدمات اقتصادية إضافية، حتى لو كانت مرتبطة باحتياجات موسمية كالمياه والتبريد.
كما يعيش أكثر من 90% من السكان عند مستويات قريبة من خط الفقر أو تحته، في ظل تراجع النشاط الاقتصادي وتضرر القطاع الزراعي، ما قلل من قدرة المزارعين على الإنتاج وزاد الاعتماد على المساعدات بوصفها مصدرًا أساسيًا للبقاء.