خربة يانون... نكبة مستمرة تنتهي بتهجير كامل على أيدي المستوطنين

الساعة 12:29 م|16 مايو 2026

فلسطين اليوم

في الوقت الذي يحيي فيه الشعب الفلسطيني الذكرى الـ78 للنكبة، تعيش خربة يانون الواقعة جنوب شرق مدينة نابلس شمالي الضفة الغربية المحتلة، النكبة بكل تفاصيلها، بعد أن أُخليت تماماً قبل أشهر من سكانها الذين هُجّروا منها قسراً، لتقع في قبضة عصابات المستوطنين.

وباتت الخربة شاهداً صامتاً على واحدة من أكثر عمليات التهجير قسوة في الضفة الغربية، إذ لم يبقَ فيها أي من سكانها الأصليين، بعدما كانت قبل سنوات قليلة تعج بالحياة

يقول رئيس مجلس خربة يانون، راشد مرار "نعيش صورة طبق الأصل عما جرى عام 1948، إذ إن عصابات المستوطنين اليوم هي الامتداد الطبيعي لعصابات الأرغون وشتيرن التي ذبحت أجدادنا، وبقرت بطون الحوامل، وأعدمت الناس في الشوارع، وأحرقت عليهم بيوتهم".

ويؤكد، أنه "لم نخرج لأننا أردنا الرحيل، بل خرجنا لأننا لم نعد نملك خيار البقاء، كنا نعيش كل يوم تحت تهديد الموت".

وكانت آخر العائلات التي كانت تقيم في "يانون الفوقا" قد أجبرت قبل أشهر قليلة على مغادرة منازلها، بعد أن اقتحم مستوطنون المنطقة ووجهوا تهديدات مباشرة بالقتل، محددين مهلة زمنية قصيرة للمغادرة.

وبالفعل، غادرت العائلات تحت وقع الخوف، لتُستكمل بذلك عملية تفريغ الخربة بالكامل من سكانها. وقبل أيام قليلة، انتشر على منصات التواصل الاجتماعي مقطع مصور لمستوطن يتنقل بين أزقة الخربة ويقتحم البيوت الفارغة والمدرسة الوحيدة فيها.

ويعلق مرار على ذلك قائلاً: "بكل أسى، هذا هو الواقع، سيطروا على كل شيء وطردونا، ولم نسمع صوتاً حتى ولو مستنكراً لما جرى، لقد تركوا يانون تقع أسيرة في قبضة المستوطنين".

إجراءات طويلة للسيطرة على يانون
ووفق الباحث في شؤون الاستيطان رائد موقدي فـ"المشهد لم يكن مفاجئاً، بل جاء تتويجاً لسنوات طويلة من التضييق والعزل، إذ بدأ المستوطنون، إلى جانب إجراءات الاحتلال، منذ مطلع الألفية، بفرض واقع جديد على الخربة عبر إغلاق الطرق ومنع البناء وتقييد الحركة، ما دفع العديد من العائلات إلى الرحيل تدريجياً".

ويلفت موقدي إلى وجود خمس مستوطنات وبؤر استيطانية تحيط بيانون، أبرزها مستوطنة "إيتمار"، التي شكّلت على مدار سنوات مصدر تهديد دائم لسكان الخربة.

ومع مرور الوقت، تحولت هذه المستوطنات إلى طوق خانق فصل يانون عن محيطها وقيّد وصول السكان إلى أراضيهم الزراعية ومراعيهم، وفق الباحث.

وكانت السيطرة على الأرض هدفاً واضحاً، إذ استولى المستوطنون على مساحات واسعة من أراضي الخربة، وفرضوا سيطرتهم على مصادر المياه، بل وصل الأمر إلى حراثة الأراضي ومنع أصحابها من الوصول إليها.

أما مركز أبحاث الأراضي، المختص برصد انتهاكات الاحتلال والمستوطنين، بات نحو 14 ألف دونم من أراضي خربة يانون معزولاً بالكامل، في خطوة يُنظر إليها بوصفها تمهيداً لضمها إلى المستوطنات المجاورة.

ومع بداية الألفية الجديدة، كان عدد سكان الخربة يُقدّر بنحو 300 نسمة، اعتمدوا على الزراعة وتربية المواشي في بيئة ريفية هادئة، غير أن هذا الواقع بدأ يتغير تدريجياً مع تصاعد اعتداءات المستوطنين والإجراءات الإسرائيلية في المنطقة.

وبعد إغلاق الطريق الرئيسي الرابط بين الخربة ومدينة نابلس، وتحويل المنطقة إلى تصنيف "ج"، مُنع السكان من البناء أو التوسع العمراني، ما ضيّق سبل العيش وفاقم الضغوط اليومية عليهم. ومع تزايد الهجمات والاعتداءات، تراجع عدد السكان تدريجياً إلى خمس عائلات فقط، قبل أن تُهجّر الخربة بالكامل في نهاية المطاف.

وضمن محاولات تثبيت السكان، أُنشئت مدرسة في الخربة وُصفت بأنها من أصغر المدارس في العالم، وضمت في فترات سابقة عدداً من الطلبة من أبناء المنطقة. لكن هذه المدرسة لم تصمد أمام الاعتداءات، إذ اضطر الطلبة والمعلمون إلى مغادرتها خوفاً على حياتهم، بعد تعرضهم لمضايقات متكررة من المستوطنين، ما أدى إلى إغلاقها بالكامل، لتفقد الخربة أحد أهم مقومات الحياة فيها.

منع أي عودة للسكان
ويؤكد الناشط الميداني بشار معمر، أن ما جرى في يانون ليس حدثاً طارئاً، بل نتيجة "خطة طويلة الأمد" هدفت إلى تفريغ الخربة من سكانها. ويشير إلى أن المستوطنين سيطروا خلال السنوات الماضية على منازل مهجورة، واتخذوا بعضها مقار لهم، في ظل غياب تام لجيش الاحتلال، ما منحهم حرية كاملة في فرض واقع جديد.

ويلفت معمر إلى أن إغلاق مدخل الخربة ببوابة حديدية فور مغادرة آخر العائلات، يعكس نية واضحة بمنع أي عودة مستقبلية للسكان. ولا تقف المخاوف عند حدود يانون الفوقا، إذ يحذر ناشطون من انتقال هذا السيناريو إلى مناطق أخرى، بما في ذلك يانون التحتا الواقعة ضمن المنطقة "ب"، والتي لا تزال مأهولة بالسكان، لكنها تواجه ضغوطاً متزايدة.

أما راشد مرار، فيعيش وعائلته في يانون التحتا على بعد مئات الأمتار فقط من منزله الذي أُجبر على تركه، متابعاً من بعيد المستوطنين وهم يتجولون في ساحة بيته، ويسمع أصواتهم وهي تدنس سكون المكان الذي عاش فيه آباؤه وأجداده، ويختتم حديثه حول مأساة تهجيره بالقول: "قبل عشرين عاماً هجّرونا، لكننا عدنا بدعم من مجمع الكنائس الدولي الذي وفر حماية بوجوده الميداني لنحو 17 عاماً، لكن اليوم يغيب الجميع، لنُترك وحدنا في مواجهة الموت".

المصدر: "قدس برس".

كلمات دلالية