عاد الطفل محمد عبد الرحمن البالغ من العمر 9 أعوام بخفي حنين يحمل "علبته" التي اعتاد أن يجلب فيها الطعام لعائلته من نقطة توزيع "التكية" المجاورة لخيمته والتي كانت تقدمها منظمة "المطبخ العالمي المركزي"، بعد أن أبلغه المسؤول في المكان عن توقف عمل "التكية" ولن يكون هناك طعام اليوم ولإشعار آخر.
ففي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها غزة، تلعب التكيات التي تقدمها منظمة المطبخ العالمي والجمعيات الخيرية لنازحي الحرب الإسرائيلية دوراً أساسياً في توفير الوجبات اليومية للفئات الأكثر فقراً، وتوقف عملها يعني توقف توزيع هذه الوجبات، الأمر الذي يزيد من معاناة المواطنين الذين يعتمدون عليها بشكل كبير، في مختلف محافظات القطاع، في ظل ظروف إنسانية قاسية خلّفتها الحرب المدمرة.
وفي الثاني عشر من مايو الماضي، شهدت مناطق واسعة من دير البلح وخانيونس وسط وجنوب القطاع، توقفاً كاملا ًلعمليات الطبخ، الأمر الذي ترك مئات آلاف العائلات دون وجبات غذائية، وسط تصاعد المخاوف من اتساع دائرة الجوع في القطاع، فيما تشير المصادر إلى قرار داخل المطبخ العالمي يقضي بتقليص التعامل مع المطابخ المجتمعية المعتمدة "التكيات"، ووقف توريد البضائع والمواد الغذائية لعدد كبير منها خلال الفترة الأخيرة.
ويخشى المواطنون بعد توقف التكية من تكرار مأساة الجوع والمجاعة التي ضربت قطاع غزة وأدت لوفاة العشرات من المواطنين لا سيما الأطفال وكبار السن والمرضى، جراء منع إدخال المساعدات بشكل منتظم.
ولم يكن دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، كافياً أن تتحسن أحوال المواطنين وأوضاعهم المعيشية، حيث مازال الاحتلال لا يسمح بإدخال كميات كافية من شاحنات المساعدات الإغاثية.
لا يوجد مال كافي
عائلة عبد الرحمن تعتمد بشكل كلي على طعام التكية، حيث لا تستطيع توفير الطعام بشكل يومي، في ظل غلاء الأسعار بشكل جنوني، خاصةً الخضار والفواكه والمجمدات.
والدة محمد تشير في حديث لـ"وكالة فلسطين اليوم الإخبارية" إلى أوضاعها الاقتصادية الصعبة، نظراً لعدم قدرة زوجها على العمل جراء مرضه الشديد وعدم قدرته على الحركة، الأمر الذي يجبرها على الاعتماد على التكية، إلا أن توقفها جعلها تهيم بنفسها لا تستطيع التصرف.
المواطن ساهر أبوطه، اعتبر أن وقف التكايا يمس حقًا إنسانيًا أساسيًا هو الحق في الغذاء ويستدعي تدخلًا عاجلًا لضمان استمرار المساعدات للفئات الأكثر ضعفًا دون انقطاع أو تسييس.
إنهاء عقود
ويقول أبو طه في حديث لـ"وكالة فلسطين اليوم الإخبارية":" "احنا وكل الشعب بنعتمد كلياً على التكية لو ما أخدنا منها مابنلاقي أكل نطعمي أولادنا، كل اشي غالي في البلد خاصةً الخضار والمجمدات"..
ويأتي وقف المطبخ العالمي عدد من التكيات في قطاع غزة، في وقت تعتمد فيه آلاف العائلات النازحة على الوجبات المجانية كمصدر أساسي للغذاء، مع استمرار الغلاء وانعدام الدخل، في ظل الحديث عن فصل عدد من موظفي المطبخ.
ووفق المصادر الإعلامية ، فجرى إنهاء عمل عقود شهرية ل 480 موظف في المطبخ العالمي بسبب خفض كمية الوجبات والمساعدات الإنسانية خلال شهر مايو.

نداء استغاثة
توقف عمل المطبخ العالمي، دفع تجمع مخيمات الأرض الطيبة لإطلاق نداء استغاثة عاجل إلى إدارة المطبخ العالمي، مطالبا بالتدخل الفوري لإعادة تشغيل المطابخ واستئناف تقديم الوجبات اليومية للنازحين داخل المخيمات.
وأكد التجمع، في بيان له، أن مربع الأرض الطيبة يضم أكثر من خمسة آلاف نازح يعتمدون بشكل أساسي على الوجبات التي كانت تقدمها المطابخ الإغاثية، محذرا من كارثة إنسانية حقيقية بعد التوقف المفاجئ للخدمات الغذائية.
وأشار البيان إلى أن توقف عمل المطبخ تسبب بمعاناة كبيرة للأهالي خصوصا الأطفال والنساء وكبار السن، في ظل انعدام مصادر الغذاء والاحتياجات الأساسية، الأمر الذي جعل آلاف العائلات مهددة بالجوع والعوز.
وناشد التجمع إدارة المطبخ العالمي والمؤسسات الإنسانية كافة بسرعة التدخل وإعادة تشغيل المطبخ واستئناف توريد المواد الغذائية للمخيمات، مؤكدا أن استمرار التوقف سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية والصحية داخل مناطق النزوح.
هندسة تجويع
المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر، حذر من سياسية هندسة التجويع التي تجتاح قطاع غزة، من بينها تقليص المساعدات ونظام التكيات، لافتاً إلى أن تكية المطبخ العالمي باتت جزء مهم ونهج في عمل قطاع غزة.
وبين في حديث لـ"وكالة فلسطين اليوم الإخبارية" أن مليون ونص مليون مواطن في قطاع غزة بشكل كامل على التكية، أما البقية فيعتمدون عليها شبه كامل، أي ممكن أن يستغنوا عنها ليوم أو يومان في الأسبوع.
وبين، أن التقليص جاء كذلك ليطال العمال، حيث تم تقليص 40% من العاملين، بشكل كامل وليس له علاقة بشهر محدد.
وتوقع أبو قمر مستقبل سيء للتكيات، حيث تأتي في ظل بطالة تجاوزت 80% ومعدل فقر مرتفع وصل لـ90%، الأمر الذي يُهدد الأمن الغذائي للمواطنين، حيث أن التكيات كانت تؤمن الجزء الأدنى من الأمن الغذائي لهم.
وييمثل توقف عمل التكيات وتوزيع الوجبات اليومية تحدياً جديداً أمام سكان غزة الذين يعانون أصلاً من ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة.