ليست المرة الأولى التي يخرج فيها تقرير صادم يكشف أوضاعاً قاسية ومؤلمة للأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن التقرير الذي صدر عن الصحفي الأمريكي نيكولاس كريستوف كان بمثابة ضربة ولطمة على وجه "إسرائيل" التي طالما تغنت بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان.
فالصحفي الأمريكي سلط الضوء على ممارسات عنف واغتصاب جنسي واسعة يتعرض لها الفلسطينيون داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، على أيدي جنود الاحتلال ومحققيه والمستوطنين، الأمر الذي دعاه للمطالبة بتبني مبدأ واضح يقوم على "إدانة الاغتصاب" بغض النظر عن هوية الضحية أو خلفية الصراع السياسي.
وقد استشهد كريستوف، بتقرير أممي صدر عام 2025 أشار إلى أن العنف الجنسي بات جزءا من الممارسات المستخدمة بحق الفلسطينيين، إضافة إلى تقرير صادر عن المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان خلص إلى أن "العنف الجنسي المنهجي" أصبح ممارسة واسعة الانتشار داخل منظومة الاعتقال الإسرائيلية.
وبحسب معطيات هيئة الأسرى ونادي الأسير ومؤسسة الضمير، فقد بلغ عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 9400 أسير ومعتقل، حتى بداية شهر مايو/ أيار الجاري.
انتقام ممنهج بعد 7 أكتوبر
إسلام عبدو مدير الإعلام وزارة شؤون الأسرى والمحررين بغزة، أكد أن مايجري بحق الأسرى في سجون الاحتلال خصوصاً بعد السابع من أكتوبر 2023، هو انتقام ممنهج وانحطاط وعنجهية ، وحرب حقيقية على المعتقلين.
وأوضح عبدو في حديث لمراسلة "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية"، أن الأسرى تعرضوا للتنكيل والاعتداء المباشر عليهم فضلاً عن الاغتصاب والعنف الجنسي، واستخدام أساليب تبقي الأسرى تحت التعذيب لفترات طويلة، معصوب العينين، لا يستطيع حتى قضاء حاجته أو تقديم الطعام له.
وأشار عبدو أن هذه الإجراءات التنكيلية تأتي بإشراف من حكومة الاحتلال الإسرائيلي، خاصةً ما يقوم به الوزير المتطرف ايتمار بن غفير الذي يقوم بنشر فيديوهات له من داخل سجون الاحتلال يكشف فيها عن جرائمه بحق الأسرى، في محاولة منه لزيادة رصيده في حكومة الاحتلال، حيث الاستفراد بالأسرى بقوانين مجحفة، آخرها مشروع محاكمة ممن اعتقلهم في يوم السابع من أكتوبر 2023، تصل للإعدام، أو عدم الإفراج عنهم في أي صفقة.
وتتعاظم مأساة الأسرى، وفق أبو عبدو في أن حكومة الاحتلال تمنع المنظمات الحقوقية والإنسانية والدولية من زيارة الأسرى والاطلاع على أوضاعهم، أو الإفصاح عن أعدادهم الحقيقية، حيث نشرت فيما سبق أن هناك 1400 أسير من قطاع غزة، فيما استشهد 90 ممن عُلمت أسماؤهم، ولكن هناك أكثر من 8000 مفقود لا يعلم ذووهم عنهم شيئاً، فيما تتضح بعض المؤشرات أن هناك أسرى تم التعرف عليهم واكتشف ذووهم اعتقالهم.
التعويل على دور السلطة
ولفت إلى أن الاحتلال لا يستجيب لمطالب منظمة الصليب الأحمر الدولي بالكشف عن أوضاع الأسرى ومعرفة أسمائهم وحقيقة اعتقالهم أو استشهادهم في السجون.
وطالب أبو عبدو، بضرورة، أن تتصدر قضية الأسرى في السجون للعالم العربي والإسلامي والدولي، لتبقى على اطلاع دائم بما يجري لهم، والكشف عن جرائم الاحتلال بحقهم.
ولفت إلى أن الشعب الفلسطيني لا يملك الأدوات الحقيقة لحل قضية الأسرى وإبرازها، لكن التعويل الحقيقي على السلطة الفلسطينية بما تملكه من أدوات خاصةً المحافل الدولية لتبقى قضيتهم على طاولة البحث والمناقشة.
وأكد مدير الإعلام أهمية البعد الإنسانية في قضية الأسرى والبحث عن وسائل تضامنية مع الأسرى لدعمهم وذويهم وتثبيتهم وتعزيز صمودهم، بشكل يضغط لخلق حالة تضامن معهم.
شهادات مروعة
دورها، كشفت هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني عن إفادات وصفت بـ"المروعة" لعدد من معتقلي قطاع غزة المحتجزين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، تضمنت شهادات حول استمرار التعذيب والانتهاكات بحق الأسرى.
وأكدت الهيئة والنادي، أن الروايات الواردة من قسم “ركيفت” تعكس مستوى خطيراً من سياسات التعذيب والتنكيل التي تواصل إدارة السجون الإسرائيلية فرضها بحق المعتقلين.
ويُخصص قسم “ركيفت” للمعتقلين المصنفين “مقاتلين غير شرعيين”، أي المحتجزين إدارياً، إلى جانب قسم آخر للمعتقلين الذين يخضعون للمحاكمات.
وأشار المعتقلون إلى تعرضهم لسلسلة من الإجراءات القمعية، أبرزها الضرب والتنكيل اليومي، واستخدام سياسة كسر الأصابع كوسيلة “عقاب” وتعذيب ممنهج، لا سيما بحق المعتقلين الخاضعين للمحاكمات.
كما أفادوا بأن السجانين يتعمدون استخدام القيود كأداة تعذيب، من خلال شدّها بصورة متعمدة، ما يؤدي إلى احتقان الدم في الأطراف والتسبب بآلام شديدة.
وأوضح المعتقلون أنهم يُجبرون، خلال الخروج إلى “الفورة”، على البقاء مكبّلي الأيدي، مع منعهم من رفع رؤوسهم أو التحدث فيما بينهم.
وبيّنت الإفادات أن كل زنزانة تضم أربعة أسرى، ينام ثلاثة منهم على أسرّة حديدية، فيما يضطر الرابع للنوم على الأرض.
وأضافت الشهادات أن الأسرى يُمنعون من الحديث داخل الزنازين، فيما تُسحب الفرشات يومياً منذ الرابعة فجراً وحتى الحادية عشرة ليلاً، ما يجبرهم على الجلوس لساعات طويلة على هياكل الأسرّة الحديدية.
ولفت التقرير إلى أن الانتهاكات تشمل أيضاً الشتائم والإهانات والتهديد بالضرب قبيل الزيارات، في محاولة لترهيب المعتقلين ومنعهم من الحديث عن أوضاعهم الصحية والمعيشية.
كما يعاني المعتقلون من الحرمان من أداء الصلاة، وانعدام مقومات النظافة العامة، إضافة إلى الحرمان الممنهج من العلاج، حيث توزع إدارة السجن معجون الأسنان دون توفير فراشي أسنان، إلى جانب توزيع لفة محارم واحدة فقط لكل أربعة أسرى كل يومين.
وروى عدد من المعتقلين تفاصيل تتعلق بظروف اعتقالهم وأساليب التعذيب التي تعرضوا لها منذ اللحظة الأولى لاعتقالهم.
وأشار العديد منهم إلى خضوعهم لتحقيق “عسكري” تخلله الشبح والضرب المبرح لأيام متواصلة، فيما أفاد أحد المعتقلين بأن التعذيب الشديد تسبب بفقدانه الإحساس في قدميه.
كما تحدث أحد المعتقلين عن تعرضه للضرب على مناطق حساسة من جسده بهدف انتزاع اعترافات منه، إلى جانب إبقائه معصوب العينين طوال فترة التحقيق وتهديده بآلة حادة، قبل أن يتعرض لاحقاً لكسر في أحد أصابعه عقب نقله إلى قسم “ركيفت”.
وفي سجن “النقب”، أكد المعتقلون أنهم حُرموا خلال فترة الحرب الأخيرة من “الفورة” والاستحمام لفترات طويلة، إلى جانب تعرضهم المستمر لعمليات القمع والضرب.
وأوضحوا أنهم يضطرون، منذ ثمانية أشهر، إلى تجميع وجبات الطعام والصيام لساعات طويلة بسبب شحّ الطعام، مشيرين إلى أن الوجبة الواحدة “لا تكفي طفلاً”.
وأشار التقرير إلى استمرار انتشار مرض السكابيوس (الجرب) داخل سجن “النقب”، وسط معاناة أعداد كبيرة من الأسرى من المرض منذ شهور بدرجات متفاوتة، في ظل استمرار الحرمان من العلاج اللازم.
كما تستمر، وفق الإفادات، سياسات يومية مهينة بحق الأسرى، من بينها إجبارهم على الركوع أثناء “العدد” أو خلال عمليات التفتيش، إضافة إلى إطلاق الرصاص المطاطي بصورة عشوائية داخل الأقسام، حيث أفاد أحد الأسرى بإصابته بثلاث رصاصات مطاطية في قدمه اليسرى.
وفي إفادة لأحد معتقلي غزة المحتجزين في “عيادة سجن الرملة”، أكد أنه نُقل إلى العيادة بعد تعرضه لتعذيب شديد تسبب بإصابته في الكبد، ما استدعى خضوعه لعملية جراحية.
كما ما يزال عدد من معتقلي غزة يقبعون في “عيادة سجن الرملة”، من بينهم معتقل يعاني من الشلل.
وأكدت المؤسستان أن إفادات معتقلي غزة تبقى “الأشد والأقسى”، باعتبارها شاهداً على ما وصفتاه بـ”الإبادة الحاصلة في السجون”، في ظل استمرار اعتقال المئات من أبناء غزة، بينهم 1283 معتقلاً مصنفين تحت مسمى “المقاتلين غير الشرعيين”، دون تهم واضحة أو ادعاءات قانونية محددة.
وأضافت المؤسستان أن هذه الإفادات تكشف مستوى غير مسبوق من الجرائم المنظمة التي تشمل التعذيب الممنهج والتجويع والحرمان من العلاج والإذلال اليومي.
واعتبرتا أن هذه الجرائم تمثل، ضمن نظام التعذيب القائم في السجون، شكلاً آخر من أشكال جريمة الإبادة الجماعية.
وشددت الهيئة والنادي على أن استمرار احتجاز معتقلي غزة تحت تصنيف “المقاتل غير الشرعي” وفّر غطاءً لتوسيع جرائم الإخفاء القسري والاعتقال التعسفي والتعذيب، بعيداً عن أي رقابة أو مساءلة دولية فعلية.
وجددت المؤسستان مطالبتهما للمنظومة الحقوقية الدولية وللمناصرين للقضية الفلسطينية بالتدخل العاجل لوقف الجرائم الممنهجة بحق الأسرى والمعتقلين، والكشف عن مصير معتقلي غزة الذين يواصل الاحتلال إخفاء العديد منهم قسراً.