دقّت عقارب الساعة السادسة صباحاً، عندما استيقظ الشاب مهدي رجب من نومه، ليسرع بتحضير ما تيسر من طعامٍ ويرتشف قهوته، ليرتدي ملابس عمله الشاق، متوجهاً إلى تجمعٍ كبيرٍ لركام المنازل المدمرة جنوبي مدينة حمد، شمال شرق محافظة خانيونس، جنوب قطاع غزة، ليباشر مهنته المستحدثة الشاقة.
لنحو 20 دقيقة من المشي، يحمل مهدي في يديه أدوات العمل من بينها مطرقة حديدية تزن نحو كيلوين، وما إن وصل إلى مكانه المقصود، حتى باشر بتفتيت الحجارة والباطون، واستخراج من ثناياها أمتار من حديد البناء؛ لأجل بيعه للتجار مقابل شواكل معدودة.
فمنذ بدء الحرب على قطاع غزة، دمّر جيش الاحتلال الإسرائيلي نحو 90% من المباني والمنشآت فيه وجعله منطقة غير صالحة للسكن، تاركاً خلفه كميات مأهولة من الدمار والركام الذي يحوي بينه حديد مستخدم دأب الفلسطينيون على إعادة استخدامه.
أكثر من نصف ساعة، يضرب مهدي بمطرقته وبكامل قوته والعرق يتصبب من جبينه، كتلة من "الباطون" ليتمكن أخيراً من تفتيتها، واستخراج الحديد المستخدم، ليُعيد تأهيله ويبيعه المتر ويبيعه بشواكل معدودة.
يقول لمراسل "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية": "منذ شهرين، أستيقظ كل صباح، وأتوجه إلى الأماكن المقصوفة والبيوت المدمرة، لاستخراج الحديد المستخدم من الباطون، وأقوم ببيعه سواء للتجار، أو للراغبين بصناعة خيمة سكنية أو لافتتاح بسطة صغيرة".
يشير إلى أنه يستخرج يومياً نحو 20- 30 متراً، يبيع المتر الواحد من الحديد سمك 4 ملم، من 1- 1.5 شيكل، ثم يتوجه إلى السوق ليشتري بثمنه خضروات وخبز لأسرته، مضيفاً: "أن هذه المهنة أُجبر على العمل بها، بسبب انعدام فرص العمل في قطاع غزة، بسبب الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ 2023".
رجب لا يعمل وحيداً في تلك المنطقة، بل ينتشر عشرات الشبان الذين ينقبون عن الحديد المستخدم بين الركام، وبيعه، لكسب لقمة العيش.
سراج، يعمل بمساعدة شقيقه أحمد بشكل يومي، على استخراج الحديد المستخدم من مكعبات الباطون، بعد ساعات من دكها بالمطارق الحديدية.
ويوضح لمراسل "وكالة فلسطين اليوم الإخبارية"، أنه يعمل لأكثر من 6 ساعات يومياً، لاستخراج الحديد وبيعه للمحتاجين له، إذ إن العديد منهم يستخدمه في صناعة الخيام، كون سعره منخفض مقارنة بأسعار الأخشاب".
ينوه، إلى أنه "يقوم ببيعه كما استخرج دون أي تعديل عليه، ومن يشتريه، يُعيد تعديله واستخدامه أو بيعه بسعر مرتفع قليلاً"، موضحاً: "أن سعر المتر 1-2 شيكل فقط".
بدوره، قال رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في غزة سامي العمصي: إن البطالة بين عمال القطاع تجاوزت 90% بعد العدوان الإسرائيلي المستمر منذ 7 أكتوبر 2023.
وأشار إلى أن أكثر من 400 ألف عامل في غزة فقدوا كل شيء، من ورش الصناعة التي سويت بالأرض، إلى الأراضي الزراعية التي حُرم أصحابها منها، وصولاً إلى بحرٍ مغلّق ومعدات نقل محطمة.
وشدد العمصي على أن القطاع الاقتصادي في غزة يلفظ أنفاسه الأخيرة، والعمال هم الضحية الأولى لإبادة سبل العيش